
من شرعية الإكراه إلى ميثاق الكرامة: كيف يتحول العقد الاجتماعي إلى دستور نافذ في سوريا؟
بعد سقوط نظام بشار الأسد، لا تواجه سوريا سؤال «من يحكم؟» فقط، وإنما السؤال الأعمق: على أي عقد سيعيش السوريون معاً؟
انهارت شرعية الإكراه التي حكمت الدولة لعقود، وأصبحت الكرامة الإنسانية والمواطنة المتساوية نقطة البدء في إعادة تأسيسها. لكن سقوط نظام لا يصنع دولة؛ فالشرعية تحتاج إلى عقد اجتماعي، والعقد يحتاج إلى مؤسسات تحميه، والمؤسسات تحتاج إلى دستور يحوّل المبادئ إلى قواعد نافذة.
العقد الاجتماعي هو روح الدولة، التوافق على الكرامة والمساواة والحرية والعيش المشترك وتوزيع عادل للسلطة والثروة. أما الدستور فهو جسد هذا التوافق، يحدد من يحكم، وكيف يحكم، وما الذي لا يحق للحاكم تجاوزه.
والخطر مزدوج: دستور منفصل عن المجتمع يتحول إلى دستورية شكلية، وتفاهمات سياسية بلا مؤسسات حارسة تبقى رهينة موازين القوة.
لذلك يبدأ التأسيس بسؤال سابق على صياغة النص: من يملك حق كتابة العقد الجديد؟ وكيف تُختار الهيئة التي تكتبه؟ لا ينبغي أن تكون الجمعية التأسيسية انعكاساً لموازين القوة العسكرية أو السياسية، بل هيئة تُختار بقواعد معلنة: تمثيل واسع للمجتمع والمناطق والمكونات، ومشاركة للنساء والنازحين، وقواعد تصويت تضمن للأغلبية حق الحكم، وتحول في الوقت نفسه دون استخدام أغلبيتها لانتقاص حقوق الآخرين. ولا يجوز للجمعية أن تضع بنفسها قواعد اللعبة التي ستُحكم بها، من دون مبادئ دستورية مسبقة تقيّدها، ومشاركة عامة تجعل السوريين شركاء في التأسيس لا جمهوراً يُستدعى للتصديق في النهاية.
وتقدم جنوب أفريقيا درساً مؤسسياً بالغ الدلالة: أُلزمت الجمعية التأسيسية باحترام مبادئ دستورية اتُّفق عليها في الإطار الانتقالي، ولم يكتسب النص النهائي قوته القانونية قبل أن تتحقق المحكمة الدستورية من مطابقته لها؛ بل رفضت المحكمة النسخة الأولى وأعيدت صياغتها قبل اعتمادها. الدرس ليس استنساخ التجربة، بل ألا تُترك سلطة التأسيس خصماً وحكماً في آن.
وفي سوريا الجديدة، لا يستقيم العقد الاجتماعي من دون ثلاثة أركان: مواطنة متساوية، وعدالة في توزيع السلطة والثروة، ودولة تحتكر القوة في إطار القانون.
المواطنة تعني مساواة السوريين أمام القانون وفي الوصول إلى مؤسسات الدولة، بصرف النظر عن القومية أو الدين أو الجنس أو المنطقة. واللامركزية الرشيدة تمنح المجتمعات المحلية قدرة حقيقية على إدارة شؤونها وخططها، ضمن قواعد شفافة لتوزيع الإيرادات والاستثمار والخدمات. فالعقد الاقتصادي لا يقل أهمية عن العقد السياسي: لا تستقر دولة حين تُدار مواردها بعقلية المركز، بينما تتحمل مناطقها كلفة التهميش التنموي. ولا يعني العقد الاقتصادي اقتسام الموارد فقط، بل ضمان أن تتحول الضرائب والثروات العامة إلى خدمات وفرص متكافئة، وأن تُدار الإيرادات والإنفاق المحلي والوطني بشفافية قابلة للرقابة.
أما احتكار القوة، فيبدأ بإعادة بناء الجيش والأمن كمؤسسات وطنية مهنية خاضعة للسلطة المدنية والرقابة القضائية والبرلمانية. وما شهدته سوريا في 25 أغسطس/آب 2026، مع إعلان حل «قسد» كقوة عسكرية مستقلة واندماج قواتها في مؤسسات الدفاع، يقدّم اختباراً مبكراً: فاحتكار الدولة للقوة لا يصبح عقداً للمواطنة إلا إذا اقترن باندماج متساوٍ في الحقوق والواجبات والمؤسسات.
لكن بناء الدولة لا يبرر العقاب الجماعي. وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية يجب أن يقوم على فحص فردي يميز بين من ثبت تورطه في الانتهاكات، وبين الكفاءات غير المتورطة التي تضمن استمرار المرافق العامة، مع قرينة البراءة وحق الدفاع والطعن القضائي. فالعدالة الانتقالية تحاسب مرتكبي الجرائم، وتصلح المؤسسات التي أنتجت الانتهاكات أو مكّنتها، من دون أن تجعل من إصلاح الدولة ذريعة لهدمها.
ولا يكفي أن ينص الدستور على الحقوق؛ يجب أن يملك أدوات إنفاذها: قضاء مستقل، وانتخابات نزيهة، وخدمة مدنية مهنية، وهيئات رقابية قادرة على مساءلة السلطة، ومحكمة دستورية لا تكتفي بالاستقلال في النص، بل تستقل طريقة تشكيلها عن السلطة التي ستراقبها. فالدستور الذي لا تستطيع مؤسساته منع السلطة من تجاوزه يبقى وعداً مؤجلاً.
والعقد الاجتماعي الحقيقي لا يحدد فقط كيف يصل الحاكم إلى السلطة، بل كيف يغادرها. فالديمقراطية لا تُختبر حين يفوز من نؤيده؛ تُختبر حين يخسر. لذلك يجب أن تكون خسارة الانتخابات نتيجة سياسية طبيعية لا تهديداً وجودياً، وأن تكون المعارضة جزءاً أصيلاً من النظام الدستوري لا خصماً خارج شرعيته. فالديمقراطية لا تحمي حق الأغلبية في الحكم فحسب؛ بل تحمي أيضاً حق الأقلية في أن تنافس لتصبح أغلبية، وحقها في أن تبقى أقلية مصونة الحقوق إن لم تفز.
عندها فقط يتحول ميثاق الكرامة من شعار تأسيسي إلى قاعدة دولة: المواطنة حقاً لا امتيازاً، والدولة مؤسسة لا غنيمة، والقوة قانوناً لا إرادة، والسلطة أمانة لا ملكاً.
فالدولة التي تجعل تداول السلطة خطراً على الحاكم، تجعل الدستور خطراً على المواطن.