نقد العقد الاجتماعي السوري القائم.. العشائرية والسياسة واختبار الوطنية السورية

0 23

تكشف الأزمات الوطنية الكبرى حقيقة المجتمعات أكثر مما تكشفه النصوص والشعارات. وفي الحالة السورية تبدو إحدى أكثر الحقائق إلحاحاً في السؤال عن طبيعة العقد الاجتماعي الذي حكم علاقة السوريين بالدولة والمجتمع طوال العقود الماضية. فالمشكلة لا تتصل فقط بشكل الدولة أو طبيعة السلطة وإنما تمتد إلى البنية العميقة التي أنتجت مفهوم الانتماء السياسي وحددت موقع الفرد داخل الجماعة.

الوطنية بالمعنى الحديث ليست مجرد شعور وجداني تجاه الوطن وليست أيضاً تجميعاً لمجموعة انتماءات محلية أو أهلية تحت اسم سورية. الوطنية هي انتقال تاريخي من منطق الجماعة إلى منطق المواطن ومن روابط العصبية إلى رابطة القانون ومن الحماية التي توفرها الجماعة إلى الحماية التي تضمنها الدولة. وحين يتعذر هذا الانتقال فإن الدولة تبقى حديثة في مؤسساتها وشكلها بينما تظل السياسة محكومة بمنطق ما قبل الدولة.

من هنا تكتسب عودة العشائرية إلى المجال السياسي دلالتها الخطيرة. فالمسألة ليست في العشيرة باعتبارها مكوناً اجتماعياً له جذوره وثقافته وذاكرته وإنما في تحويلها إلى حامل سياسي وإلى أداة لإنتاج القوة والتأثير. عند هذه النقطة لا تعود العشائرية تعبيراً عن التنوع الاجتماعي بل تصبح منافساً للمواطنة ومؤشراً على عجز الدولة عن احتكار المجال السياسي ضمن إطار القانون والمؤسسات.

إن تسييس العشيرة يعني في جوهره إعادة تعريف الفرد من خلال جماعته الأولية. المواطن هنا لا يظهر بوصفه فرداً مستقلاً تتساوى حقوقه مع حقوق الآخرين وإنما بوصفه جزءاً من كتلة اجتماعية تستطيع التفاوض على النفوذ أو الحماية أو الموارد. وهكذا تنتقل السياسة من فضاء المواطنة إلى فضاء العصبيات ويصبح السؤال السياسي ليس ماذا يحق للمواطن وإنما من يقف خلفه.

وهذه واحدة من أعمق مشكلات العقد الاجتماعي السوري. فالعقد الاجتماعي لا يكتمل بمجرد الاعتراف بالتنوع ولا بمجرد توزيع الحقوق بين الجماعات وإنما حين يصبح الفرد نفسه وحدة الحقوق والواجبات. الدولة الحديثة لا تتعامل مع مواطنيها باعتبارهم ممثلين لجماعاتهم وإنما باعتبارهم أشخاصاً أحراراً متساوين أمام القانون.

ولا يعني ذلك بطبيعة الحال اقتلاع العشيرة من المجال الاجتماعي أو إنكار دورها التاريخي. فالمجتمعات لا تبني حداثتها بإلغاء ذاكرتها وإنما بإعادة تنظيم العلاقة بين مكوناتها. المطلوب ليس القضاء على الانتماءات الأولية وإنما منع تحولها إلى مرجعيات سياسية تتقدم على الدولة. فحين تصبح العشيرة طريقاَ إلى السلطة أو وسيلة لحماية الحقوق فإن ذلك يعني أن الدولة لم تنجح في أداء وظيفتها الأساسية.

ولعل أخطر ما في هذا المسار أنه يعيد إنتاج السياسة بوصفها صراعاَ بين جماعات بدلاً من أن تكون تنافساً بين مواطنين ومشروعات سياسية. وفي هذه الحالة يصبح المجتمع أقرب إلى توازن العصبيات منه إلى مجتمع سياسي حديث. وقد تتغير السلطات والواجهات والأسماء بينما يبقى جوهر العلاقة على حاله.

إن نقد العقد الاجتماعي السوري يقتضي إعادة تعريف الوطنية نفسها. الوطنية ليست أن تتعايش الهويات المتعددة داخل حدود جغرافية واحدة وإنما أن تتأسس رابطة سياسية تتجاوز هذه الهويات من دون أن تنكرها. وهي ليست إلغاء للخصوصيات وإنما إخضاع المجال السياسي لمبدأ المساواة. فالطائفة والعشيرة والمنطقة والانتماء الثقافي يمكن أن تكون مصادر غنى اجتماعي لكنها لا يمكن أن تكون مصادر متفاوتة للحقوق السياسية.

لهذا فإن منح العشائرية دوراً في الصراع السياسي ليس مجرد خيار سياسي عابر بل هو اختبار لمستوى نضج الوطنية السورية. فإذا كانت الدولة تحتاج إلى العشيرة كي تثبت نفوذها أو المعارضة تحتاج إليها كي تعزز قوتها أو المواطن يحتاج إليها كي يحمي حقوقه فإن السؤال يصبح مشروعاً حول مقدار ما أنجزناه فعلاً في بناء الدولة الوطنية.

الوطنية السورية لا تكتمل عندما تتعايش العصبيات وإنما عندما تتراجع الحاجة إليها في المجال السياسي. ولا تصبح الدولة دولة مواطنين إلا حين يشعر الفرد أن القانون أقوى من الجماعة وأن حقه لا يحتاج إلى سند عشائري أو طائفي وأن مستقبله السياسي لا تحدده هويته الأولية.

ذلك هو الاختبار الحقيقي للعقد الاجتماعي السوري الجديد. أن ينتقل السوري من سؤال الجماعة التي ينتمي إليها إلى سؤال الدولة التي ينتمي إليها. وأن يصبح الوطن رابطة سياسية وقانونية وأخلاقية لا مجرد مساحة تتقاطع فيها الولاءات. عندها فقط يمكن للوطنية السورية أن تتحول من فكرة معلقة بين الخطاب والواقع إلى قاعدة فعلية لبناء الدولة الحديثة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني