
تهيّأتْ للكلام، تنهّدتْ.. عبّتْ هواء ملء رئتيها وزفرته حاراً، أرجو المعذرة، أتهيّب الموقف الذي وُضِعت فيه، لم أعتد على التكلّم في حضرة أناس لا أعرفهم، الضرورة أجبرتني على الحضور والبوح عما يجيش به صدري. ترجرجت لؤلؤة في محجري عينيها، وتسرّبت الحروف خارجة من بين شفتيها، تنتزعها من عمق جوفها انتزاعاً، ورأسها منكّسة، ونظراتها مسلّطة على رخام الأرضية، كلمات وجمل متقطعة وكأنّها تُستجوَب في دائرة أمن…
زوّجوني من شاب يكبرني بأكثر من ثلاثة عشر عاماً وأنا قاصر في الخامسة عشرة غير مؤهلة للحياة الزوجية، وبناء أسرة. اقتادني غنمة تتبع ذئباً. عشت معه سبع سنوات خادمة تلبّي طلباته، وتشبع نزواته، وتنفّذ أوامره دون اعتراض. أسقطت جنيني الأول في غمرة العمل، والثاني إثر انزلاق رجلي عن درجة السلّم. ومن يومها صرت في نظره شجرة تورق ولا تثمر، ومصدر تهكّم لرجل همّه أن يكون له عَقِبٌ يرثه. راجعنا الطبيب مراراً، تألمت كثيراً لانتهاك جسدي، ولم أستطع الاعتراض. تكرّرت المراجعات، والتحاليل، والأدوية المتنوعة، فكرهت نفسي وزوجي، تمنّيت ألّا تتحقق رغبته ويطلّقني.
شكوت معاناتي لوالدي فوبّخني، ونصحتني والدتي بالصبر: “امرأة مركونة في بيت زوج أفضل من مطلقة تلوكها الألسنة ليل نهار”. سكتُّ على مضض، وطويت آلامي وانتظرت فرجاً. مرّت الأيام ثقيلة الخطو على نفسي، تقلّبني على حرّ جمرها وأنا صامتة، مرتهنة بالمنزل، أكظم ما بي صابرة على الألم، والضعف، والغثيان، وفقدان الشهية، والاشتياق إلى الانعتاق.
سمعت صرير الباب، دلف منشرح الأسارير، أومأ تعالي سأشاورك. جلست قبالته: نعم، ماذا لديك؟
– طالما أنّكِ لم تنجبي حتى الآن، ولا ندري متى…، وأنا أتلهّف لولد، والشرع أباح الزواج بثانية فما رأيكِ؟
استفزني، ولست أدري كيف استجمعت قواي، وتشجّعت لأول مرة على المواجهة: ألهذا جئت باشاً على غير عادتك؟
– هي فكرة…
– أريدك أن تعرف أنّي لا أتقبّل شريكة…
– على مهلك…
– يبدو أنّك فكّرتَ، وقرّرت، وحسمت الأمر
– لا تتسرعي، فلست أول واحد.. قاطعته:
– دعكَ من ذلك، أمامك خياران: أنا أو هي؟
– إذن إلى بيت أبيك، وأشار: ترشدين الطريق…
– وأنا غير آسفة…
غادرت ما بين مصدّقة ومكذّبة، أتقافز في سيري، مشاعر متداخلة، هل تحققت أمنيتي؟!، طفرت دموعي وتحدّرت على وجنتيّ، تذوّقت ملوحتها عسلاً، أحسست أنّي إنسانة وُلدت من جديد. وما إن شاهدتني أمّي أسرعت تسألني، ما بكِ؟ أخبرتها بما جرى، واتجهت إلى الغرفة أريد أن أنام مرتاحة.
أرحتُ رأسي على الوسادة، انتابني مغص، وكدت أتقيأ معدتي فهرعت إلى الحمام، ورجعت إلى الصالة شاحبة أتعثر وارتميت على كنبة. أسعفتني وأخي إلى المشفى. وضعت الطبيبة يدها على جبيني، وطلبت تحليلاً، ولما رأت النتيجة ابتسمت، اطمئني يا خالة، ابنتك بخير، مبارك، إنّها حامل. لم أصدق أذني.. دكتورة!…
وصله الخبر فقدم مسرعاً يعتذر.. صددته، وذكّرته بكلّ كلمة قالها، وبأيّ إيماءة منه، ركع مبدياً ندماً، ومعلناً الموافقة على شروطي؛ فاحتكرت العصمة بيدي…
مرضتُ عندما اجتاحت الإنفلونزا البلاد، وأجهضت للمرة الثالثة. غضب إذ فقد وريثاً ينتظره. لعن ساعة اقترانه بي، وشرع ينتقدني، ويعتبرني شيطاناً ابتلي به، ضاقت بي الدنيا، وضجرت من عشرته. عزم على الزواج بأخرى، رفضت الضّرّة، وحاولت استخدام حقي فوجدها فرصة للتفريق، وعدت إلى بيت أهلي.
علم أبي، فعلا صوته: أين هي؟ هل نسيتْ مَن نحن؟ ليس لدي بنت تنشز، وهو رجل لم يخطئ، ويحقّ له أن يعدّد الزوجات مادام يقتدر. ناداني، ذرا ما احتكرته سابقاً في الريح، وصحبني إليه مكسورة الجناح.
حزّ بنفسي واستثارني أنّه تناسى قدر والدي ومساندته، فأشاح عنه، ولم يكرمه، أو يقدّر فضله عليه، ورفع صوته بوجهه مهدداً. عندها كظّ الغيظ صدري ولم أحتمل الصمت فصرخت به، واقتربتُ منه.. التفتَ نحوي فصفعتُهُ بما أملك من قوة، ولويت عقبي أحثُّ خطاي عائدة…