
بين الرقابة البرلمانية والتوظيف السياسي: جدل الدعم الطبي لحلب في البرلمان الألماني
أثار مشروع طبي يهدف إلى دعم خدمات الطوارئ في مدينة حلب نقاشاً سياسياً داخل البرلمان في ألمانيا، بعد أن تقدّمت كتلة حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف باستجواب رسمي للحكومة الاتحادية بشأن طبيعة التعاون بين مبادرة “قنوات” لإعادة الإعمار والوكالة الألمانية للتعاون الدولي.
الاستجواب، ركّز على مشروع يهدف إلى تحسين جودة خدمات الطوارئ في المستشفى الجامعي بحلب، من خلال تزويده بمعدات طبية حديثة وتنفيذ برامج تدريب متخصصة للأطباء والممرضين والفنيين وطلاب الطب، في إطار جهود دعم القطاع الصحي السوري الذي تعرض لتدهور واسع خلال سنوات الحرب.
لكن الجدل الذي أثاره الملف تجاوز الجانب الطبي، ليتحول إلى نموذج واضح للتداخل بين الرقابة البرلمانية المشروعة والتوظيف السياسي للملف السوري داخل الساحة الألمانية.
الاستجواب البرلماني: أداة رقابة لا إدانة
من الناحية القانونية، لا يُعد الاستجواب البرلماني اتهاماً قضائياً أو إدانة قانونية، بل هو أداة رقابية مشروعة تتيح للبرلمان مساءلة الحكومة بشأن أوجه الإنفاق العام، وآليات التمويل الخارجي، والشراكات الدولية، خصوصاً في المناطق المصنفة عالية المخاطر سياسياً وأمنياً.
ويحق للنواب مساءلة الحكومة حول كيفية اختيار الشركاء المنفذين، ومعايير التحقق من خلفياتهم، وضمان عدم تسرب الأموال العامة إلى جهات غير قانونية أو غير خاضعة للرقابة.
غير أن الإشكالية تظهر عندما يتحول هذا الحق الرقابي إلى منصة لإنتاج اتهامات سياسية غير مدعومة بإثبات قانوني واضح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة مثل سورية.
بين الشبهة السياسية والإثبات القانوني
طالب نواب حزب البديل الحكومة الألمانية بتوضيحات حول كيفية نشوء التعاون بين الوكالة الألمانية للتعاون الدولي ومبادرة “قنوات”، كما طرحوا تساؤلات حول الخلفية المهنية لمؤسس المبادرة محمد نور الدغيم، والمنظمات الإغاثية التي عمل معها سابقاً.
وذهب الحزب أبعد من ذلك عبر التشكيك في خلفيات بعض المنظمات الإنسانية العاملة في سوريا، وربطها بسياقات سياسية سابقة، مستنداً إلى موقفه السياسي الحالي من الحكومة الانتقالية السورية، والتي يصفها الحزب بأنها محل جدل وخلاف سياسي داخل الخطاب الذي يتبناه.
إلا أن هذا النوع من الاتهامات، من منظور قانوني، لا يمكن أن يُبنى على مواقف حزبية أو تقارير إعلامية أو تقديرات سياسية، بل يحتاج إلى أدلة موثقة، وتقييم أمني رسمي، وتحقيق قانوني من جهة مختصة، وربما إجراءات قضائية واضحة.
فالخلط بين الشبهة السياسية والإثبات القانوني يمثل خطراً مباشراً على العمل الإنساني، ويحوّل المساعدات الطبية إلى مادة للصراع الأيديولوجي.
مسؤولية التحقق والامتثال القانوني
في المقابل، لا يعني الطابع الإنساني للمشروع إعفاءه من الرقابة. فالوكالة الألمانية للتعاون الدولي، بصفتها جهة ممولة وشريكة في التنفيذ، تتحمل مسؤولية قانونية تتعلق بإجراءات التحقق المسبق، بما يشمل مراجعة خلفيات الشركاء، والتأكد من الامتثال القانوني، وتقييم مخاطر التمويل، وضمان عدم وصول الدعم إلى جهات محظورة.
هذه الإجراءات ليست تشكيكاً بالمشروع، بل جزءاً من الحوكمة الرشيدة وإدارة المال العام، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع تنفذ في بيئات نزاع معقدة.
وفي تعليق خاص ضمن سياق الجدل، أوضح مؤسس مبادرة “قنوات”، الدكتور محمد نور الدغيم، أن رؤية المبادرة تقوم على العمل مع مختلف الأطراف السورية وغير السورية، انطلاقاً من اعتبار أن “سورية وكل السوريين” هم محور أي تدخل تنموي أو إنساني.
وقال الدغيم:
“نحن في قنوات إعادة إعمار سوريا خطنا واضح، نتعامل مع كل الأطراف السورية وغير السورية، لأن رؤيتنا الاستراتيجية هي سورية وكل السوريين.
كما نتحاور مع الحكومة الألمانية نتحاور مع الحكومة السورية، وكما نتشارك مع المنظمات غير الحكومية في ألمانيا نتشارك مع غير الحكومية منها داخل سوريا.”
وأضاف أن كوادر المبادرة تتميز بأنها ذات هوية مزدوجة سورية وألمانية، وتشمل شباباً سبق لهم الانخراط في سوق العمل في ألمانيا بعد إكمال تحصيلهم الأكاديمي هناك، معتبراً أن هذا النموذج يمثل نقطة قوة وليس نقطة ضعف.
وأشار إلى أن:
“هذه نقاط القوة نفسها ما يخيف من يريد قولبتنا أو عرقلة نمونا أو اختلاق العثرات في طريقنا.”
وختم بالتأكيد على أن الهدف الأساسي للمبادرة يتمثل في تنمية طاقات السوريين والاستثمار فيها، بما يسهم في دعم الفئات الأكثر هشاشة من ضحايا ما وصفه بـ ”الحقبة الأسدية”، عبر مشاريع تنموية وإنسانية في مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع الصحي.
وأكد أن جميع الأنشطة تنفذ ضمن أطر تعاون رسمية مع شركاء دوليين ومحليين، بما في ذلك جهات ألمانية تنموية، وفق آليات رقابية وإدارية معتمدة.
الملف السوري في الخطاب الانتخابي الألماني
لا يمكن فصل هذا الاستجواب عن السياق السياسي الأوسع داخل ألمانيا، حيث يوظف حزب البديل الملف السوري باستمرار ضمن خطاباته المرتبطة بالهجرة والأمن الداخلي ورفض التمويل الخارجي.
وغالباً ما تتحول أي مبادرة ألمانية مرتبطة بسوريا – حتى وإن كانت طبية بحتة – إلى مادة سياسية تستخدم لإثارة المخاوف الأمنية والتشكيك في جدوى الدعم الدولي.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل الهدف هو حماية المال العام وضمان الشفافية؟ أم استخدام البرلمان كساحة لإعادة إنتاج خطاب أيديولوجي ضد اللاجئين والسوريين والعمل الإنساني المرتبط بهم؟
في النهاية، المشكلة ليست في جهاز تنفس يصل إلى مشفى جامعي في حلب، بل في الطريقة التي يمكن أن يتحول فيها هذا الجهاز نفسه إلى ملف انتخابي داخل برلين.
فالرقابة البرلمانية ضرورة ديمقراطية لا خلاف عليها، لكن توظيفها كأداة لتجريم العمل الإنساني دون أدلة قانونية صلبة، يفتح الباب أمام إضعاف المساعدات الدولية، ويهدد بتحويل الدعم الطبي إلى ضحية جديدة للصراع السياسي.
وبين الرقابة المشروعة والتسييس المتعمّد، يبقى السؤال الأهم: من يحاسب من؟ ومن يدفع الثمن في النهاية؟