زيارة الرئيس إلى الرياض.. هل تقاتل سوريا إلى جانب السعودية؟

0 378

كان تحرير سوريا من نظام الأسد، وبالتالي طرد المحور الإيراني منها، حدثاً جيوسياسياً بالغ الأهمية، ويمكن اعتباره حدثاً تاريخياً دون أيّ مبالغة، حيث تم قطع المحور الشيعي الأفقي الممتد من أواسط آسيا إلى البحر الأبيض المتوسط، والذي لاستكمال مشروعه استثمر في الزيدية اليمنية ودعم الحوثي، بحيث تمكّن من تطويق شبه الجزيرة العربية التي تضم الثروات النفطية والأماكن المقدسة للمسلمين في الحجاز.

وكانت الرغبة الأمريكية الإسرائيلية غير خفية في الوصول إلى تفاهمات مع المحور الشيعي لتشكيل منظومة أمنية تكون في البداية غير معلنة، وتحترم مصالح المشروعين في المنطقة، وهو ما اصطلح المراقبون على تسميته بالتخادم بين المشروعين. وقد كان هذا التخادم ظاهراً في أحداث كبرى وقعت في المنطقة، حيث اعتبر الأمريكيون أن محور ولاية الفقيه هو العدو النوعي العقائدي لأيّ نهوض للمسلمين السنة في المنطقة، والذين تم اتهامهم بتنفيذ ضربات 11 أيلول 2001، حيث كانت السياسات على الأرض تقول ذلك، فيما كان رسمياً يتم اتهام تنظيم القاعدة الجهادي السني بذلك الفعل.

دمّرت الولايات المتحدة أهم أعداء إيران في شرقها وغربها، فأسقطت حكم طالبان السني والرئيس صدام حسين، المصنَّف أمريكياً بالجدار السني أمام المدّ الشيعي الإيراني في المنطقة.

ثم حدث التخادم الإيراني الأمريكي في سوريا، وفعل الحرس الثوري عبر ميليشياته الطائفية العراقية واللبنانية ما يحلو له، وعند عجزه لم يعارض الأمريكيون الاستعانة بالجيش الروسي لمنع الهزيمة، فيما تم حرمان الثورة السورية من أيّ دعم حقيقي أو سلاح نوعي لتحقيق الانتصار أو لحماية نفسها ومجتمعها على الأقل. وكان التهاون الأمريكي واضحاً في تجاوز نظام الأسد خطوط أوباما الحمراء واستعمال الأسلحة الكيميائية عشرات المرات، فيما كانت البراميل المتفجرة تتساقط يومياً على السوريين، في مشهد يُسقط كل المنظومة الأخلاقية والقيمية لمن يدّعون حماية حقوق الإنسان في العالم.

وبكسر المحور الأفقي الإيراني، بات تشكيل محور سني شاقولي يمتد من سواحل تركيا الشمالية على البحر الأسود إلى جنوب شبه الجزيرة العربية أمراً ممكناً عملياً، إذا ما توفرت الإرادة السياسية المحكومة، بالطبع، بضرورات المصالح المشتركة. ولأن الأحداث جسام في المنطقة، نبذت الدول الرئيسية، كتركيا والسعودية، خلافاتهما السابقة، وبات أن الخطر داهم على الجميع إذا لم يتم التقارب ورصّ الصفوف.

كان الكلام سابقاً عن محور سني يثير الاستغراب، حيث كان يبدو بعيداً، بل بعيداً جداً.

لم يستمر طويلاً شهر الدبس بين المشروعين الإيراني والغربي في المنطقة، وأصبح الصدام أمراً محتوماً، وينتظر الشرارة للبدء به. ويمكننا اعتبار أن الطلاق البائن بينونة كبرى قد وقع بين المشروعين عند خروج الرئيس ترامب من الاتفاق النووي عام 2018، ثم قتل قاسم سليماني في مطلع عام 2020، وأصبح الصراع صفرياً، وبات الجميع ينتظر تحوّل ذلك الصراع إلى حرب صفرية تُنهي أحد المشروعين في المنطقة.

حدثت الشرارة الكبرى في السابع من أكتوبر 2023، وحدث الصدام المباشر بين المشروعين. ولأن فرص التوافق قد استُنفدت بفشل عملية التخادم والوصول إلى احترام مصالح كل طرف لمصالح الطرف الآخر، فإن الصراع الحالي ستكون نتيجته صفرية، سواء طال الزمن أم قصر. وإذا لم يكن التعايش ممكناً قبل سفك الدماء، فلا يمكن أن يحصل ذلك بعده.

ولأن انتصار أحد المشروعين كارثي على الدول السنية، فقد ظهر، بعد مخاض السنوات الثلاث، إلى العلن المحور السني، وهو ما سُمّي باتفاق مكة الدفاعي. ولم يكن ظهوره إلى العلن مفاجئاً، بل استجابة لضرورات الأمن والسياسة والاستراتيجيا، وبالتالي أصبح بيضة القبان في المنطقة، حيث إن ظهور ناتو سني نووي ليس بالأمر الهيّن، بل سيكون له أكبر الأثر في مستقبل المنطقة، التي غالبيتها الساحقة سنية، وبات هذا التحالف تعبيراً سياسياً عن القوة الإسلامية التي غابت عن المشهد لقرن مضى، عندما انهارت الدولة العثمانية بنهاية الحرب الكونية الأولى.

وبسبب الموقع الجيوسياسي لسوريا، ولأن العلاقات والمصالح بين سوريا وكلٍّ من تركيا والسعودية كبيرة جداً، ولأن الرؤى والأهداف متطابقة بين الدول الثلاث، فلن يعتقد أحد أن سوريا، بما تملكه من قوى بشرية ومادية وموقع، ستكون خارج هذا التحالف، ولو اقتضت الظروف الحالية عدم الإعلان رسمياً عن ذلك بسبب عدم التوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، والذي لن يكون بعيداً الوصول إليه.

لذلك، تفاعل تحالف مكة في أيامه الأولى بشكل سريع لإثبات أنه ليس تحالفاً على الورق، وذلك بالوقوف إلى جانب المملكة بدعم سريع قبل تشكيل أطره ومؤسساته، وبات تشكيل تلك المؤسسات يُطبخ على نار حامية، ولا يظهر إلى العلن إلا القليل منها.

بالطبع، تحالف مكة ليس موجّهاً ضد ميليشيات ما دون الدولة في اليمن والعراق فحسب، بل هو موجّه ضد إيران نفسها، العدو الأول للسعودية، وممكن أن يكون ضد أعداء آخرين للدول الثلاث، كالهند واليونان وإسرائيل…

لذلك، لا يبدو مستغرباً أن تكون زيارة الرئيس السوري إلى الرياض مؤخراً دعماً للمملكة الشقيقة في أحلك الظروف التي تمر بها، فهي تحمل نجدة ودعم الشام لبلاد الحرمين الشريفين.

وبغض النظر عن دقة ما نقلته وكالتان إخباريتان مرموقتان، هما رويترز وأكسيوس، عن طلب سعودي للحكومة السورية بتقديم مساعدة عسكرية، وبغض النظر عن عدم نفي الخارجية السورية الخبر من أساسه، بل القول إن أيّ طلب سعودي لا بد أن يتم تقديمه عبر القنوات الرسمية، بمعنى أنه لو حصل ذلك شكلاً، فلا مانع لدى السوريين من قبوله.

ممكن أن تقدم سوريا مساعدة لا يملكها أحد، وبالأساس لا تحتاج السعودية من سوريا غيرها، فالجيش السوري الجديد يتكون من فصائل خاضت حرباً طويلة مع الميليشيات المدعومة من الحرس الثوري، وانتصر في أغلب تلك المواجهات، ويملك الخبرة الميدانية الكافية في حروب العصابات ومسك الأرض بعد تحريرها، وتلك الخبرة الميدانية المكتسبة لا يمكن تلقينها في المعاهد العسكرية. ويُعتبر التدخل العسكري السوري، إن حصل، مساعدة مشروعة لبلد عربي يتعرّض لعدوان من عدو مشترك، وبالتأكيد، فإن العدو الإيراني لن ينسى خسارته في سوريا، وما إن يلتقط أنفاسه حتى سيبدأ بالكيد لها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني