العدالة الانتقالية في سوريا: كيف تتحول الأدلة إلى محاسبة؟

0 54

لا تنتهي مهمة العدالة عند توثيق الجريمة، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً حين يصبح المطلوب تحديد المسؤول عنها وإثبات تورط أشخاص بعينهم أمام القضاء. فالشهادات والصور والسجلات قد تثبت وقوع انتهاك، لكنها لا تكفي وحدها لإدانة مشتبه به ما لم تتوافر أدلة تربطه بالجريمة، ومؤسسات تملك الصلاحيات القانونية اللازمة للتحقيق والملاحقة. وفي سوريا، تطرح هذه الفجوة سؤالاً جوهرياً أمام مسار العدالة الانتقالية: كيف يمكن بناء منظومة مستقلة للمحاسبة تضمن حقوق الضحايا، وتمنع الإفلات من العقاب، وتطبق المعايير القانونية بصرف النظر عن هوية المتهم؟

برزت هذه الإشكالية خلال مشاركة الشبكة السورية لحقوق الإنسان في ملتقى «حوارات لاهاي للعدالة 2026»، الذي نظمته مؤسسة القانون الجنائي الدولي (S.I.S) في فندق هيلتون بمدينة لاهاي الهولندية يومي 14 و15 تشرين الأول/أكتوبر، بمشاركة خبراء قانونيين ومدافعين عن حقوق الإنسان وممثلين دبلوماسيين وصحفيين وفاعلين في المجتمع المدني.

من التوثيق الحقوقي إلى التحقيق الجنائي:

في جلسة «حين تختبر الحرب العدالة»، التي عُقدت في 15 تشرين الأول/أكتوبر وأدارها برويز كاوا، شرح فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، الاختلاف بين وظيفة التقرير الحقوقي ووظيفة التحقيق الجنائي.

فالتوثيق الحقوقي يهدف إلى إثبات ما حدث، في حين يتعين على الادعاء إثبات ما فعله شخص محدد، وما كان يعلمه أو يقصده، ونوع المسؤولية القانونية التي يمكن أن تترتب على أفعاله.

وقال عبد الغني إن إحدى أبرز العقبات تتمثل في نقص الأدلة التي تربط جريمة موثقة بمشتبه به بعينه، إلى جانب غياب جهة تملك الصلاحية القانونية للحصول على هذه الأدلة واختبارها.

ولا تقتصر الأدلة المطلوبة على الشهادات والصور ومقاطع الفيديو؛ إذ قد يحتاج المحققون إلى أوامر مكتوبة، وسجلات احتجاز ونقل، ووثائق يمكن التحقق من صحتها ومصدرها وتسلسل حيازتها، فضلاً عن شهود مستعدين للإدلاء بشهاداتهم أمام المحكمة، وفحص دقيق للأدلة التي قد تنفي التهمة عن المشتبه به.

وتكشف هذه المتطلبات عن حدود دور منظمات المجتمع المدني. فرغم قدرتها على جمع مواد توثيقية مهمة وحفظها، فإنها لا تملك سلطة إلزام الجهات بتسليم الأرشيفات، أو استدعاء الشهود، أو استجواب المشتبه بهم. وبذلك، لا ترتبط الفجوة بنقص الأدلة وحده، بل أيضاً بغياب المؤسسات القادرة على تحويل التوثيق إلى ملفات قضائية تستوفي شروط المحاكمة.

تحديات قانونية ومؤسساتية:

سلّط عبد الغني الضوء على صعوبات خاصة تواجه المحاسبة في سوريا، مشيراً إلى أن قانون العقوبات السوري لا يعرّف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وفق ما ورد في بيان الشبكة. كما أشار إلى أن الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM) لا يمكنها تقديم المساعدة في قضية قد تُطبَّق فيها عقوبة الإعدام.

وتطرح هذه المعوقات تحدياً يتجاوز توثيق الانتهاكات إلى بناء مسار قضائي قادر على التعامل مع الجرائم الدولية، من التحقيق الأولي وجمع الأدلة إلى توجيه الاتهام وعرض القضية أمام القضاء.

وفي هذا السياق، دعا عبد الغني إلى بناء قدرات متخصصة ومستقلة للتحقيق والادعاء داخل سوريا، تتمتع بإمكانية وصول مشروعة إلى أرشيفات الأجهزة الأمنية، وتعمل ضمن إطار قانوني يضمن حماية الشهود. واقترح أن تبدأ مهمتها بمراجعة الملفات القائمة، مع تولي الشركاء الدوليين دعم هذه القدرات بالتمويل والتدريب.

ويعني هذا الطرح أن الانتقال من التوثيق إلى المحاسبة يحتاج إلى مؤسسات تمتلك الخبرة والصلاحيات والضمانات القانونية، لا إلى إرادة سياسية معلنة فحسب. كما يتطلب الحفاظ على الأدلة وإتاحة فحصها بصورة مستقلة، بما يعزز فرص بناء قضايا قابلة للاختبار أمام القضاء.

المساواة أمام القانون لا تعني تماثل الجرائم:

لا يقتصر التحدي على كيفية ملاحقة المتهمين، بل يشمل أيضاً تحديد نطاق العدالة الانتقالية ومعايير اختيار القضايا التي تصل إلى التحقيق والمحاكمة.

وأكد عبد الغني أن المحاسبة تكتسب مصداقيتها لدى الضحايا عندما يُطبَّق المعيار القانوني نفسه بصرف النظر عن هوية الجاني، بما في ذلك إذا كان المتهم يعمل ضمن مؤسسات السلطات الحالية. وشدد على أن اعتراف الدولة بالضحية ينبغي أن يستند إلى الانتهاك الذي تعرض له، لا إلى هوية مرتكبه.

وفي المقابل، أوضح أن المساواة أمام القانون لا تعني التماثل في حجم الجرائم أو المسؤوليات. وأشار إلى أن نظام الأسد وحلفاءه مسؤولون عن الغالبية العظمى من الضحايا المدنيين الذين وثقت الشبكة مقتلهم. لكن تطبيق معايير قانونية متساوية يقتضي، بحسب طرحه، ألا يتمتع أي مشتبه به بالحماية بسبب انتمائه السياسي أو موقعه العسكري أو انتمائه المجتمعي.

وتناول عبد الغني ما تصفه الشبكة بأوجه عدم التماثل في الإطار القانوني الانتقالي، مستشهداً بالمرسوم رقم 20 الصادر في أيار/مايو 2025، الذي يحصر عمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في الانتهاكات الجسيمة التي تسبب بها النظام السابق، وبالمادة 49 من الإعلان الدستوري، التي ترى الشبكة أن قراءتها تتيح اختلافاً في التعامل مع الملاحقة بأثر رجعي للجرائم الدولية بين النظام السابق وغيره.

ودعا إلى إزالة أوجه عدم التماثل هذه عبر التشريع. وتظل هذه المسألة مرتبطة بالنصوص القانونية النافذة وتفسيرها وآثارها العملية، لكنها تثير سؤالاً أساسياً حول قدرة الإطار القانوني على ضمان عدم استثناء أي مشتبه به من المحاسبة بسبب هويته أو موقعه.

أربعة التزامات لتعزيز مصداقية المحاسبة:

حدّد عبد الغني أربعة التزامات لتحقيق المساواة الفعلية في المعاملة: استقلال قرارات التحقيق والاتهام عن التوجيه السياسي؛ ونشر معايير اختيار القضايا حتى لا يتحول التأجيل إلى استبعاد دائم؛ وضمان محاكمات عادلة لكل متهم؛ وإتاحة مشاركة آمنة للضحايا من مختلف المجتمعات، مع حمايتهم من الأعمال الانتقامية.

وتكتسب هذه الضمانات أهمية تتجاوز الإجراءات القضائية، لأنها تؤثر في ثقة الضحايا بالمؤسسات واستعدادهم لتقديم الشهادات والأدلة. فغياب الشفافية أو الانتقائية في اختيار الملفات قد يقوض الثقة بالمسار كله، حتى عندما تُتخذ خطوات فعلية نحو الملاحقة.

كما شدد عبد الغني على أن الملاحقة القضائية ليست سوى أحد سبل الانتصاف، وأن البحث عن المفقودين وكشف الحقيقة وجبر الضرر ينبغي ألا تتوقف على هوية الجاني. فالعدالة الانتقالية لا تقتصر على العقوبة، بل تشمل أيضاً الاعتراف بمعاناة الضحايا، وتوضيح مصير المفقودين، ومعالجة الأضرار التي لحقت بالأفراد والأسر والمجتمعات.

اختبار العدالة في المرحلة الانتقالية:

تضع مداخلة الشبكة السورية لحقوق الإنسان مسار العدالة الانتقالية أمام اختبار يتجاوز عدد القضايا التي ستُفتح أو المتهمين الذين ستتم ملاحقتهم. فالرهان يتمثل في بناء مؤسسات مستقلة، وتوفير أدوات التحقيق، وضمان الحقوق الإجرائية، ومنع الإفلات من المساءلة بسبب النفوذ أو الانتماء.

ويتطلب ذلك تحويل التوثيق الحقوقي المتراكم إلى عمل قضائي منظم، مع الحفاظ على سلامة الأدلة، وحقوق المتهمين، وأمن الشهود والضحايا. كما يتطلب أن تشمل جهود العدالة كشف الحقيقة وجبر الضرر والبحث عن المفقودين، بالتوازي مع الملاحقات القضائية.

وفي بلد يسعى إلى تجاوز إرث طويل من الانتهاكات، لا يُقاس نجاح العدالة الانتقالية بمجرد فتح الملفات، بل بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفق القانون، من دون انتقائية أو استثناءات.

فهل تنجح سوريا في تحويل أرشيف الانتهاكات إلى منظومة قضائية مستقلة تضمن المحاسبة والإنصاف لجميع الضحايا، أم ستبقى الفجوة قائمة بين توثيق الجرائم والقدرة على مساءلة المسؤولين عنها؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني