مقتل مدني من ذوي متلازمة داون برصاص إسرائيلي في درعا يثير أسئلة حول حماية المدنيين

0 39

قُتل معاذ سلامة البعير، وهو مدني من ذوي متلازمة داون، برصاص القوات الإسرائيلية خلال توغل عسكري في قريته جملة بريف درعا الغربي، يوم 22 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وبين إفادات محلية تقول إنه لم يستجب لأوامر الجنود بسبب حالته، ورواية إسرائيلية تزعم أنه اقترب من القوات وشكّل تهديداً، تبرز أسئلة جوهرية حول ظروف استخدام القوة المميتة، ومدى مشروعيتها، والضمانات المتخذة لحماية المدنيين.

وفي بيان صدر من دمشق في 25 تشرين الأول/أكتوبر، أدانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل البعير، مؤكدة أن المعلومات الأولية التي وثقتها تثير مخاوف جدية بشأن انتهاك الحق في الحياة، وتستوجب تحقيقاً مستقلاً وفعالاً يحدد ملابسات الحادثة، ويضمن مساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات يثبت ارتكابها. كما حذّرت من مخاطر إضافية رصدتها خلال التوغل نفسه، تمثلت في نشر قناصة على أسطح منازل سكنية.

روايتان للحادثة وتحقيق مطلوب:

بحسب المعلومات الأولية التي جمعتها الشبكة من مصادر متعددة، بينها مصادر محلية موثوقة ومواد متاحة من مصادر مفتوحة، توغلت القوات الإسرائيلية في قرية جملة فجر الخميس 22 تشرين الأول/أكتوبر، برفقة 12 سيارة عسكرية، وانتشرت في أنحاء منها، ولا سيما الحي الشرقي.

وتفيد إفادات محلية بأن البعير كان في أحد شوارع القرية عندما أمره الجنود بالتوقف أو العودة، لكنه لم يستجب بسبب متلازمة داون، فأطلقوا النار عليه، ما أدى إلى مقتله. وتشير المعلومات التي جمعتها الشبكة إلى أنه كان مدنياً أعزل، ولم يكن يشارك في أعمال قتالية.

في المقابل، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن الجيش الإسرائيلي أن القوات رصدت شخصاً وصفته بأنه مشتبه به يقترب من الجنود، وحاولت توقيفه قبل إطلاق النار عليه بعدما واصل الاقتراب. وبرر الجيش إطلاق النار بأنه جاء لإزالة تهديد، مشيراً إلى أن الحادثة تخضع للمراجعة.

وتؤكد الشبكة أن الرواية الإسرائيلية تحتاج إلى تحقق مستقل، ولا تشكل بحد ذاتها دليلاً على وجود تهديد فعلي يبرر استخدام القوة المميتة. ويتطلب تحديد المسؤولية فحص الظروف السابقة لإطلاق النار، وطبيعة الخطر المحتمل، والأوامر التي صدرت للضحية، ومدى قدرته على فهمها والاستجابة إليها.

ملابسات نقل الجثمان لم تُحسم:

تلقت الشبكة روايات محلية تفيد بأن القوات الإسرائيلية نقلت البعير بعد إصابته، وأن جثمانه عُثر عليه لاحقاً قرب إحدى نقاط تمركز القوات. ووفق هذه الروايات، جرى تسليمه عبر ترتيبات قيل إن قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك «أندوف» والدفاع المدني السوري شاركت فيها، ثم نُقل إلى مستشفى درعا الوطني وسُلّم إلى ذويه، قبل تشييعه في قريته.

لكن الشبكة لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع التفاصيل، ولا سيما ما إذا كان الضحية على قيد الحياة عند نقله، وتوقيت وفاته، وما إذا تلقى الرعاية الطبية اللازمة، والدور الدقيق للجهات المعنية في تسليم الجثمان.

وتواصل الشبكة جمع الشهادات والأدلة ومراجعة المواد المصورة والمعلومات المتاحة من المصادر المفتوحة، بهدف استكمال تسلسل الأحداث وتحديد المسؤوليات. وتكتسب هذه الخطوات أهمية في كشف حقيقة ما جرى وضمان حق الأسرة في معرفة ظروف مقتل ابنها.

قناصة فوق منازل سكنية:

إلى جانب مقتل البعير، رصدت الشبكة نشر عدد من القناصة على أسطح منازل سكنية في قرية جملة خلال التوغل نفسه. وقالت إن هذه أول حادثة توثق فيها هذا النمط ضمن عمليات التوغل الإسرائيلية التي تابعتها منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

ويثير هذا الانتشار مخاوف بشأن سلامة السكان، إذ قد يؤدي استخدام المباني السكنية لأغراض عسكرية إلى تعريض قاطنيها والمنازل المجاورة لمخاطر إضافية. كما أن انتشار القوات داخل الأحياء، وتفتيش المنازل، وإقامة نقاط عسكرية مؤقتة، قد يقوض شعور المدنيين بالأمان والاستقرار.

وتؤكد الشبكة ضرورة اتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين والأعيان المدنية أثناء العمليات العسكرية، وتجنب تعريضهم لأخطار يمكن تفاديها، فضلاً عن تجنب إقامة مواقع وأهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها، بالقدر الممكن عملياً.

ولا يكفي رصد القناصة وحده لحسم التوصيف القانوني للواقعة؛ إذ يتطلب ذلك التحقق من طبيعة استخدام المباني والظروف المحيطة بالعملية. لكنه يسلط الضوء على ضرورة فحص التدابير المتخذة لحماية السكان ومدى الالتزام بالقواعد ذات الصلة.

الحق في الحياة يستلزم المساءلة:

تدين الشبكة استمرار التوغلات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، وتدعو إلى تحقيق مستقل وفعال في مقتل البعير، يكشف ظروف إطلاق النار وما أعقبه، ويحدد المسؤوليات، ويضمن المساءلة إذا ثبت وقوع انتهاكات. ولا يغني الإعلان عن مراجعة الحادثة عن ضرورة التحقق من استقلالية التحقيق وشفافية نتائجه.

فحماية المدنيين لا تتحقق بتبادل الروايات، بل بكشف الوقائع والأدلة وتحديد المسؤوليات على أساس تحقيق موثوق، مع صون الحق في الحياة وضمان حق الأسرة في معرفة الحقيقة.

فهل تقود هذه الحادثة إلى تحقيق مستقل يكشف ملابسات مقتل معاذ سلامة البعير ويضمن المساءلة، أم تبقى حياة المدنيين في المناطق الحدودية السورية رهينة مخاطر التوغلات العسكرية وغياب الضمانات الفعالة لحمايتهم؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني