
السوريون في ألمانيا: من فهم اختلاف الطفل إلى بناء استقلاله
قد يبدو الطفل في الصف وكأنه لا يريد أن يشارك، أو لا يفهم التعليمات، أو يتحرك أكثر من زملائه. لكن خلف السلوك الظاهر قد تكون هناك صعوبة مختلفة: يحتاج إلى وقت أطول، أو يجد صعوبة في الانتقال من نشاط إلى آخر، أو لا يعرف كيف يعبّر عما يحتاج إليه.
من خلال عملها التربوي في سوريا وألمانيا، وجدت أ. صفا الشمّاع أن التعامل مع هذه الحالات يبدأ من سؤال مختلف: ماذا يحتاج الطفل حتى يستطيع أن يشارك ويتعلم؟ فاختلاف الطفل، في تجربتها، لا يعني بالضرورة ضعف قدرته، وإنما قد يعني أنه يحتاج إلى طريقة تساعده على إظهار ما يستطيع.
أن نفهم قبل أن نحكم
تقول الشمّاع إن عشرين طفلاً قد يجلسون في الصف نفسه، يسمعون الشرح ذاته ويؤدون المهمة نفسها، لكن لكل واحد منهم قدراته وطريقته في الفهم والتفاعل.
قد يبدأ أحدهم المهمة مباشرة، بينما يحتاج آخر إلى شرح خطواتها واحدة تلو الأخرى. وقد يتعامل طفل بسهولة مع تغيير البرنامج المدرسي، في حين يشعر آخر بالتوتر عندما يتغير روتينه المعتاد.
لهذا، لا ترى أن مراعاة الفروق الفردية تعني منح كل طفل معاملة مختلفة لمجرد اختلافه، بل توفير ما يحتاج إليه حتى يتمكن من المشاركة والتعلم. وأحياناً يكون الأمر بسيطاً: تعليمات أوضح، وقت إضافي، تقسيم المهمة إلى خطوات، أو مساعدة الطفل على معرفة ما سيحدث خلال اليوم.
وتزداد أهمية ذلك عندما يكون السلوك نفسه قابلاً لأكثر من تفسير. فالطفل الذي يرفض تنفيذ مهمة قد لا يكون عنيداً، وربما لم يفهم المطلوب. والذي ينسحب من المجموعة قد لا يكون غير اجتماعي، وإنما يجد صعوبة في بدء التواصل. والطفل كثير الحركة قد يحتاج إلى طريقة مختلفة تساعده على التركيز.
وتؤكد أن هذا لا يعني تبرير السلوك، وإنما البحث عن سببه قبل اتخاذ موقف منه. فالفرق بين أن نقول للطفل: «أنت لا تستطيع»، وأن نقول: «دعنا نرى ما الذي يجعل الأمر صعباً عليك»، قد يغير شعوره بنفسه واستعداده للمحاولة.
عندما لا تكفي المساعدة المعتادة:
في بعض الحالات، لا يحتاج الطفل إلى تعديل بسيط في طريقة الشرح فقط، بل إلى دعم فردي داخل المدرسة يساعده على المشاركة في يومه الدراسي.
ومن خلال عملها في هذا المجال بألمانيا، تلاحظ الشمّاع أن هذا الدعم يرتبط باحتياج الطفل الفعلي داخل المدرسة، وليس بمجرد وجود صعوبة أو تشخيص معين. والسؤال، في رأيها، هو: ما الذي يستطيع الطفل القيام به باستقلالية؟ وأين يواجه عائقاً؟ وما نوع الدعم الذي يمكن أن يساعده؟
وتوضح أن الشخص المرافق للطفل ليس معلماً خاصاً، ولا يحل محل المعلم أو يتولى تدريس الطفل. قد يساعده في تنظيم يومه، وفهم التعليمات، والانتقال بين الأنشطة، والتعامل مع مواقف صعبة، أو في التواصل والمشاركة، بحسب احتياجاته.
لكنها تشدد على نقطة تراها أساسية: لا ينبغي أن تتحول المساعدة إلى قيام شخص آخر بكل شيء بدلاً من الطفل.
إذا كان الطفل يستطيع إنجاز المهمة، فمن الأفضل أن تُترك له الفرصة. وإذا كان يستطيع الإجابة، فلا ينبغي التحدث نيابة عنه. وإذا كان قادراً على التواصل مع زميله، فلا ينبغي أن يصبح المرافق وسيطاً دائماً بينهما.
وتقول: «المساعدة الجيدة هي التي تزيد استقلالية الطفل، وليس اعتماده على المرافق».
المرافق جسر لا حاجز:
من خلال ملاحظتها للعمل اليومي، ترى الشمّاع أن وجود شخص بالغ إلى جانب الطفل لا يحقق هدفه بمجرد وجوده. فطريقة تقديم الدعم هي التي تحدد ما إذا كان الطفل سيقترب من الآخرين أم سيبقى معتمداً على مرافقه.
يمكن للمرافق أن يساعد الطفل على الدخول في نشاط جماعي أو بدء حوار، لكن ليس المطلوب أن يدير النشاط أو يتحدث بدلاً منه. فالهدف أن يصبح الطفل جزءاً طبيعياً من الصف، وأن يستخدم المساعدة للوصول إلى الآخرين، لا أن ينفصل عنهم بسببها.
ولهذا تشبه الشمّاع المرافق بـ«جسر» يساعد الطفل على الوصول إلى زملائه، لا «حاجز» يفصله عنهم.
وترى أن فهم الطفل يحتاج أيضاً إلى النظر إليه في أكثر من مكان. فقد يكون مختلفاً في المنزل عنه في المدرسة، ولذلك قد تقول الأسرة: «طفلي يستطيع فعل ذلك في المنزل»، بينما يراه المعلم يواجه صعوبة داخل الصف.
ولا تعتبر الشمّاع هذا الاختلاف دليلاً تلقائياً على خطأ أحد الطرفين. بل ترى أن السؤال المفيد هو: متى تظهر الصعوبة؟ ماذا يحدث قبلها؟ كيف يتصرف الطفل؟ وما الذي يساعده؟
حين يصبح الهدف أن يتراجع الدعم:
تذكر الشمّاع حالة لطفل كان يواجه صعوبة في الانتقال من نشاط إلى آخر وفي متابعة تسلسل اليوم الدراسي، ما كان يؤدي إلى توتره وانسحابه في بعض المواقف.
كان العمل معه يقوم على تنظيم خطوات اليوم، والاستعداد للانتقالات، وفهم ما سيحدث لاحقاً، والتعامل مع المواقف الصعبة بصورة أوضح. ومع الوقت، أصبح أكثر استقراراً ومشاركة، وبدأ يعتمد على نفسه في أمور كان يحتاج فيها سابقاً إلى مساعدة أكبر.
هذه التجربة تختصر، بالنسبة إليها، معنى الدعم الحقيقي: أن نساعد الطفل اليوم بطريقة تجعله أكثر قدرة على الاعتماد على نفسه غداً.
من «المشكلة» إلى السؤال الصحيح:
ترى الشمّاع أن الأسرة التي تكتشف حاجة طفلها إلى دعم لا تحتاج فقط إلى معرفة اسم المساعدة المتاحة، بل إلى فهم الطريق: ما الذي يحتاجه طفلها؟ وما نوع الدعم المناسب؟ وكيف يمكن أن يحصل عليه؟
لكن الأهم، في نظرها، هو ألا يُنظر إلى الطفل باعتباره «مشكلة»، بل باعتباره طفلاً لديه احتياجات وقدرات يمكن البناء عليها.
ولا ترى أن التجربة التي عرفتها في ألمانيا يمكن نقلها إلى سوريا كما هي؛ فلكل بيئة أنظمتها وإمكاناتها وظروفها. وما يمكن الاستفادة منه، في رأيها، هو المبدأ الذي لمسته في عملها: أن نبحث أولاً عما يستطيع الطفل فعله، ثم نفكر فيما يساعده على تجاوز ما يصعب عليه.
وتعود الشمّاع إلى الفكرة التي بدأت منها تجربتها: قد لا يحتاج الطفل إلى من يمشي بدلاً منه، وإنما إلى شخص يفهم أين يتعثر، ويساعده على تجاوز العثرة، ثم يعرف متى يتراجع خطوة.
بالنسبة إليها، لا تكون قيمة الدعم في أن يبقى الطفل محتاجاً إليه، وإنما في اللحظة التي يبدأ فيها بفعل ما كان يحتاج إلى مساعدة فيه.
وهنا، ربما يكون السؤال الأهم الذي تركته لها تجربتها: هل نساعد الطفل فعلاً عندما نفعل الأشياء بدلاً منه، أم عندما نساعده حتى يصل إلى اليوم الذي يستطيع فيه أن يقول: «أستطيع أن أفعلها بنفسي»؟