السوريون في ألمانيا.. من الجالية إلى المشاركة: ماذا نتعلم من التجربة الحزبية لبناء سوريا الجديدة؟

0 19

في ألمانيا، لا تبدأ السياسة يوم الانتخابات ولا تنتهي بإعلان النتائج. خلف صناديق الاقتراع مؤسسات وأحزاب وكوادر وبرامج ومجالس وبرلمان، تعمل بصورة مستمرة على تنظيم المشاركة وربط المواطن بالدولة. وبينما أصبح السوريون جزءاً من المجتمع الألماني، يبرز سؤال يتجاوز الاندماج: هل يستطيعون الانتقال من موقع الجالية إلى موقع المواطن المشارك في صناعة القرار؟ والأهم، ماذا يمكن أن تحمل هذه التجربة إلى سوريا الجديدة؟

في هذا التحقيق، تتحدث «نينار برس» مع المهندس جمال قارصلي، الذي امتدت تجربته السياسية في ألمانيا لعقود، بينها عشر سنوات نائباً في البرلمان، إضافة إلى تجربته في تأسيس حزب «فاكت» الألماني (FAKT).

الحزب.. مؤسسة تتجاوز الانتخابات:

يقول قارصلي: «من خلال تجربتي الطويلة في الحياة السياسية الألمانية، ومنها عشر سنوات كنائب في البرلمان وكذلك كمؤسس لحزب «فاكت» الألماني، أستطيع القول إن الحزب السياسي في ألمانيا ليس مجرد آلة انتخابية هدفها الحصول على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان، وإنما هو مؤسسة سياسية واجتماعية لها دور مستمر في الحياة العامة، سواء كان الحزب في الحكومة أو في المعارضة».

فالانتخابات، بحسبه، ليست سوى جزء من العمل الحزبي؛ إذ تقوم الأحزاب بإعداد الكوادر، وتنظيم المؤتمرات والاجتماعات، وصياغة البرامج، ومناقشة قضايا المجتمع، وتقديم المقترحات والحلول. وهي أيضاً «مدرسة سياسية» يتعلم فيها الإنسان ممارسة العمل العام، ومناقشة المختلف معه، وتحمل المسؤولية، وتحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

كما أن التواصل مع المواطنين لا يرتبط بموسم انتخابي، بل يفترض أن ينقل المسؤول الحزبي والنائب مشكلات الناس إلى البرلمان والسلطات المختصة.

ويرى قارصلي أن هذا الدور المؤسساتي قد لا يكون واضحاً للسوريين الذين لم يعيشوا طويلاً في نظام ديمقراطي تعددي، مؤكداً: «الحزب ليس مجرد شخص لديه شعبية، ولا مجرد اسم أو شعار أو مجموعة تجتمع حول زعيم. الحزب مؤسسة تعمل يومياً، ولها أعضاء وقواعد وبرامج وهيئات ومسؤوليات ومحاسبة داخلية».

من الزعيم إلى المؤسسة:

يعتبر قارصلي أن استمرار الحزب بعد رحيل مؤسسه أو خسارته الانتخابات يمثل أحد أهم دروس التجربة الألمانية. ويقول: «الفرق الأساسي بين الحزب والمؤسسة وبين التجمع المؤقت هو أن المؤسسة تقوم على القواعد وليس على الأشخاص».

فاللوائح الداخلية، والهيئات المنتخبة، والمؤتمرات الدورية، والانتخابات الداخلية، وآليات اتخاذ القرار والمحاسبة، تجعل المؤسسة قادرة على الاستمرار. كما تمنح البنية المحلية للأحزاب في الولايات والمدن والبلديات الأعضاء فرصة الانتقال من العمل المحلي إلى مستويات سياسية أعلى وتجديد القيادات.

ومن هنا يضع قارصلي خلاصة واضحة بالنسبة إلى سوريا: «لا ينبغي أن نبني أحزاباً مرتبطة بأشخاص، وإنما أحزاباً مرتبطة بمؤسسات وبرامج وقواعد ديمقراطية». ويضيف: «سوريا تحتاج إلى الانتقال من ثقافة “الزعيم الذي يقرر” إلى ثقافة “المؤسسة التي تقرر”».

السوريون.. حضور اجتماعي بلا حضور سياسي موازٍ:

رغم اتساع حضور السوريين في سوق العمل والجامعات والمجتمع المدني، لا يزال حضورهم المنظم داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية الألمانية محدوداً. ويرى قارصلي أن الأسباب متعددة: إرث تاريخي لم يعرف التعددية الحزبية، وصعوبة اللغة السياسية التي تتطلب مستوى متقدماً لفهم القوانين والبرامج والمشاركة في النقاشات، إضافة إلى حاجة الأحزاب نفسها إلى مزيد من الانفتاح على المهاجرين.

لكن هناك، بحسبه، عاملاً نفسياً أيضاً؛ إذ ما زال بعض السوريين ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم مهاجرين أو لاجئين يعيشون في ألمانيا، لا باعتبارهم مواطنين قادرين على التأثير.

وبالنسبة إلى من حصل على الجنسية الألمانية، يؤكد قارصلي: «السوري الذي أصبح مواطناً ألمانياً ليس مجرد شخص يعيش في ألمانيا؛ إنه جزء من المجتمع السياسي الألماني وله الحق والقدرة على المشاركة والتأثير».

لا نستنسخ التجربة.. نتعلم منها:

وعن إمكانية الاستفادة من النموذج الألماني في سوريا، يجيب قارصلي: «نعم، يمكن للسوريين الاستفادة كثيراً من التجربة الألمانية، ولكنني أؤكد دائماً أن الاستفادة لا تعني الاستنساخ».

ويحدد مبادئ يمكن الإفادة منها، بينها البرامج السياسية الواضحة، والديمقراطية الداخلية، وانتخاب القيادات، وتداول المسؤولية، والمحاسبة، والشفافية المالية، وتدريب الكوادر، واحترام الرأي الآخر ووجود معارضة حقيقية.

لكن سوريا لها تاريخها وتركيبتها وتجربتها مع الاستبداد والحرب والانقسام؛ لذلك «علينا أن نتعلم من الآخرين كيف نبني المؤسسات، وليس ماذا يجب أن تكون كل تفاصيل مؤسساتنا».

ويرى أن الأولوية هي نظام يمنع احتكار السلطة، ويضمن الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وبرلماناً قوياً يراقب الحكومة، ويحمي حقوق المواطنين والمكونات، ويتيح التنافس السياسي السلمي.

من الجالية إلى المواطن:

يرى قارصلي أن السوريين في ألمانيا أمام «فرصة تاريخية»، بما يمتلكونه من كفاءات في الجامعات والطب والهندسة والاقتصاد والأعمال والمجتمع المدني. لكن تحويل هذه الطاقات إلى تأثير سياسي يبدأ، بحسبه، «بالانتقال من عقلية الجالية أو اللاجئ إلى عقلية المواطن والمشاركة».

وتبدأ المشاركة من البلدية والجمعية والنقابة والمبادرة المدنية والحزب، ثم تتطور إلى مستويات سياسية أعلى. وفي الوقت نفسه يستطيع السوريون أن يكونوا جسراً بين ألمانيا وسوريا، ينقلون ثقافة المؤسسة والقانون والحوار وقبول الاختلاف والمساءلة وتداول السلطة، لا نموذجاً ألمانياً جاهزاً.

ويختصر قارصلي تجربته بالقول: «لا يكفي أن تكون موجوداً في المجتمع؛ يجب أن تكون مشاركاً فيه».

ويبقى السؤال الأوسع أمام السوريين: هل يستطيع من اختبر معنى المؤسسة والمشاركة والمساءلة في ألمانيا أن يحوّل هذه الخبرة إلى ثقافة سياسية سورية جديدة، تجعل المؤسسة أقوى من الفرد، والقانون أقوى من السلطة، والمواطن شريكاً حقيقياً في بناء الدولة؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني