الأحزاب السياسية في سوريا: من التصحر السياسي إلى بناء التعددية

0 14

سوريا تحتاج إلى الأحزاب وهي لا تثق بالأحزاب. وهذه مفارقة أساسية بعد سقوط الأسد. ففي 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 انتهى أكثر من نصف قرن من حكم البعث، ثم حُلّت الأحزاب القائمة، لكن نهاية الاحتكار لم تنتج حياة حزبية بديلة. بقي المجال العام موزعاً بين شخصيات وشبكات محلية وقوى اجتماعية ومؤسسات انتقالية.

لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: هل تحتاج سوريا إلى أحزاب؟ بل: كيف نفتح المجال أمامها من دون أن يتحول الفراغ السياسي إلى فوضى، أو تنتقل السياسة من احتكار قديم إلى احتكار جديد؟ وكيف نضمن استقلال القرار الحزبي عن المال الإقليمي والأجنبي، وعن رأس المال السياسي المرتبط بشبكات النظام السابق أو اقتصاد الحرب؟ فاستقلال القرار يبدأ من استقلال الموارد. وسوريا تحتاج قانون أحزاب، لكن نجاحه لن يُقاس بعدد الأحزاب، بل بقدرته على إنتاج تنافس حقيقي وآمن وشفاف، يبقى فيه القرار السياسي ملكاً للمجتمع.

القانون الذي يفتح المجال

الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس 2025 أقر حق المشاركة السياسية وتشكيل الأحزاب على أسس وطنية، وربط ممارسة هذا الحق بقانون ينظمها. ومع بدء مجلس الشعب الانتقالي عمله في يوليو/تموز 2026، أصبح الاستحقاق أكثر إلحاحاً. فغياب إطار واضح لتسجيل الأحزاب يبقي التنظيم السياسي خارج قواعد معلنة، ويمنح الأفضلية لمن يملك المال أو النفوذ.

القانون الجيد لا يصنع أحزاباً؛ يصنع شروطاً عادلة لولادتها: تأسيس واضح، وتمويل شفاف، ورقابة مستقلة، وضمانات قضائية، وقواعد تمنع الإقصاء على أساس الهوية.

التصحر السياسي

المشكلة أقدم من سقوط النظام. عقود من احتكار المجال العام أضعفت التنظيم السياسي والمؤسسات الوسيطة، ثم عمقت الحرب والتهجير والانقسامات الفراغ. هناك كوادر وخبرات في الإدارة والعمل المدني والمحلي، لكن تحويلها إلى أحزاب مستدامة يحتاج وقتاً وممارسة وقواعد.

التصحر السياسي لا يعني غياب الراغبين في العمل العام، بقدر ما يعني غياب البيئة التي تحول الرغبة إلى تنظيم وبرنامج وتمثيل. وكلمة «حزب» تحمل ذاكرة ثقيلة لدى السوريين؛ ارتبطت بحزب الدولة والأحزاب المدجنة أكثر من التنافس بين البرامج.

لهذا لا يصلح الانتظار حتى «تنضج» البيئة السياسية، كما لا يصلح فتح الباب بلا قواعد. المطلوب انفتاح منظم: يسمح بالتجربة، ويمنح السياسة فرصة للنمو، ويضع في الوقت نفسه حدوداً واضحة للفوضى.

الحزب الذي يطلب ثقة الناس

بعد صدور قانون الأحزاب يبدأ الاختبار الحقيقي. سيسأل المواطن: من يمول الحزب؟ من يختار قيادته؟ هل يستطيع العضو الاعتراض؟ كيف تُتخذ القرارات؟ وما برنامجه للاقتصاد والتعليم والإدارة المحلية؟

الحزب الجاد مؤسسة لإنتاج القيادات وتجميع المصالح وصياغة السياسات وتدريب أعضائه على التنافس وقبول الاختلاف. لذلك تصبح الشفافية المالية، والديمقراطية الداخلية، وقواعد التبرعات والإنفاق، ومدد القيادة، معايير لاختبار صدقية الحزب. كما ينبغي أن تخضع قرارات الترخيص أو التعليق أو الحل لمراجعة قضائية، حتى لا تصبح أدوات لإقصاء المنافسين. فالحزب الذي يطلب ثقة الناس عليه أن يبدأ بإظهار كيف يمارس السلطة داخله.

الثقة السياسية لا تُطلب من المواطن؛ تُبنى أمامه، في طريقة اتخاذ القرار قبل الخطاب الانتخابي، وفي وضوح الموارد قبل الوعود.

المجتمع المدني: المدرسة لا البديل

راكم المجتمع المدني السوري خبرة في العمل المحلي وبناء الثقة، ويمكنه نشر ثقافة المشاركة والمساءلة وتدريب الكوادر وفتح مساحات للحوار. لكن دوره ليس إنتاج الأحزاب ولا التحول إلى واجهة لها. استقلاله عن الحكومة والأحزاب معاً شرط كي يستطيع مراقبتهما ومساءلتهما، ويمكن أن يكون مساحة تتدرب فيها الكوادر الجديدة على العمل العام، دون أن يتحول إلى بوابة حزبية.

ما بعد الحزب الواحد

المطلوب في النهاية ليس كثرة الأحزاب، وإنما أن تصبح السياسة قابلة للتعدد. فالقانون يفتح الباب، لكنه لا يصنع حزباً جاداً؛ والانتخابات تمنح الشرعية، لكنها لا تخلق ثقافة ديمقراطية.

ستختبر التجربة الحزبية قدرة الدولة على قبول المنافسة، والنخب الجديدة على ممارسة السياسة خارج منطق الشخص والقائد، والمجتمع على التعامل مع الاختلاف دون تخوين.

بعد عقود كان فيها الحزب أداة للسلطة، تحتاج سوريا إلى أحزاب تكون أداة للمجتمع للوصول إلى السلطة ومساءلتها، فالمعركة المقبلة لن تكون على عدد الأحزاب التي ستولد، وإنما على ما إذا كانت ستجعل السياسة مجالاً للتنافس على خدمة الدولة والمجتمع، لا طريقا جديدا لامتلاكهما.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني