السوريون في ألمانيا: حين تصبح المدرسة جزءاً من شبكة دعم الطفل والأسرة

0 18

قد يدخل طفل إلى المدرسة وهو يحمل معه ما لا يظهر في حقيبته: قلقاً، مشكلة أسرية، صعوبة في التعلم، تجربة لم يستطع التعبير عنها، أو حاجزاً لغوياً وثقافياً. ثم يتراجع مستواه، أو يتغير سلوكه، أو يبدأ برفض الذهاب إلى المدرسة. هنا لا يتوقف السؤال عند ما يحدث داخل الصف، بل يمتد إلى سؤال آخر: ماذا يحدث للطفل خارج الصف؟

من هذه الزاوية تنظر الأستاذة دانية حمود، المختصة في المجال الاجتماعي والتربوي في برلين، إلى تجربتها مع الأسر والأطفال والشباب. فمشكلة الطفل، في رأيها، قد تحتاج إلى تعاون بين المدرسة والأسرة والمختصين والجهات الاجتماعية، بحيث لا تُترك الأسرة وحدها أمام المشكلة.

حين يكون السلوك رسالة:

ترى حمود أن البداية يجب أن تكون بفهم ما يحدث للطفل، لا بالحكم على النتيجة الظاهرة.

فعندما يتراجع أداؤه أو يتغير سلوكه، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: لماذا أصبح ضعيفاً أو مشاغباً؟ بل: ماذا يحدث حوله؟

قد تكون هناك مشكلة مع زملائه، أو صعوبة في التعلم، أو قلق، أو مشكلة داخل الأسرة، أو حاجز لغوي وثقافي، أو حادثة لم يتمكن من التعبير عنها.

فالطفل الذي يرفض المدرسة، مثلاً، قد لا يكون «عنيداً»، وإنما قد يحاول التعبير عن مشكلة لا يعرف كيف يشرحها. لذلك، تقول حمود، قد يكون السلوك نفسه رسالة تحتاج إلى قراءة، وليس مجرد مخالفة ينبغي إيقافها.

وهنا تظهر فكرة «شبكة الدعم»: المدرسة تلاحظ الطفل يومياً وتتابع تعلمه وسلوكه، والأسرة تعرف ظروفه خارج المدرسة، بينما يستطيع المختص الاجتماعي أو النفسي التعامل مع جوانب تحتاج إلى خبرة أخرى.

ولا يعني ذلك تحويل المدرسة إلى مؤسسة للعلاج النفسي أو العمل الاجتماعي. دورها أن تكون جزءاً من هذه الشبكة، وأن تعرف متى تحتاج الحالة إلى جهة متخصصة، وأن تساعد الأسرة على معرفة الجهة المناسبة والوصول إليها.

«ترجمة النظام» لا اللغة فقط:

في عملها مع الأسر، لاحظت حمود أن بعض المشكلات تبدأ من عدم معرفة النظام الألماني نفسه. فقد تعرف الأسرة أن هناك مشكلة، لكنها لا تعرف إلى من تتوجه، أو ما الخطوة التالية، أو ماذا تعني الرسالة التي وصلتها من المدرسة.

وهنا تتجاوز الوساطة الثقافية مجرد ترجمة الكلمات. فالمطلوب أحياناً، كما تقول، هو «ترجمة النظام»: شرح كيفية عمل المؤسسة، وما الذي تعنيه رسالة المدرسة، ولماذا أُرسلت، وما الذي تتوقعه من الأسرة، وما الحقوق والواجبات المرتبطة بها.

وفي الاتجاه الآخر، تحتاج المدرسة إلى فهم خلفية الأسرة وظروفها الثقافية والاجتماعية. فقد ترى الأسرة ملاحظة المعلم انتقاداً لها أو لطفلها، بينما ترى المدرسة التواصل مع الأهل جزءاً طبيعياً من التعاون. وقد تختلف أيضاً التوقعات حول علاقة الطفل بالمعلم، واستقلاليته، وحدود دور الأسرة والمدرسة.

هنا تقول حمود: «نحن لا نحتاج دائماً إلى تغيير الأشخاص، بل أحياناً نحتاج إلى تحسين طريقة التواصل بينهم».

من الوقاية إلى مركز الأسرة:

لا ترى حمود أن التدخل ينبغي أن يبدأ بعد تفاقم المشكلة. فالتغير المفاجئ في السلوك، أو تراجع التحصيل، أو رفض المدرسة، أو تصاعد الخلافات داخل الأسرة، قد تكون إشارات تستحق المتابعة المبكرة.

كما أن الإحالة إلى المختص ليست نهاية المهمة. يجب أن يُسأل بعد ذلك: هل حصلت الأسرة على المساعدة؟ هل تحسن وضع الطفل؟ وهل ما زال يحتاج إلى دعم؟

من هنا تأتي فكرتها عن مراكز الأسرة: أماكن مجتمعية قريبة من الناس تقدم التوعية والإرشاد الأسري والتربوي، وأنشطة للأطفال والشباب، ودعماً اجتماعياً ونفسياً، وتربط الأسرة بالمختصين عند الحاجة.

ولا تكون هذه المراكز بديلاً عن المدرسة أو الأسرة، بل مساحة إضافية يمكن اللجوء إليها قبل تفاقم المشكلة، على أن تكون آمنة ومساندة، لا جهة رقابية تشعر الأسرة بأنها موضع اتهام.

ماذا يمكن أن تتعلم سوريا الجديدة؟

عند نقل هذه الأفكار إلى سوريا، ترفض الأستاذة دانية حمود فكرة النسخ المباشر.

«لا أريد أن أنقل ألمانيا إلى سوريا، وإنما أريد أن آخذ ما تعلمته هنا وأعيد صياغته بما يناسب الإنسان والأسرة والمجتمع السوري».

فما يصلح في ألمانيا ليس بالضرورة أن يعمل بالطريقة نفسها في سوريا، لاختلاف القوانين والثقافة والعلاقات الأسرية والاجتماعية.

لكن يمكن البدء تدريجياً: شخص أو فريق للإرشاد الاجتماعي والتربوي في المدرسة، ثم مراكز أسرية مجتمعية، ثم شبكة تعاون بين المدرسة والأسرة والمختصين. ويمكن اختبار النماذج في عدد محدود من المدارس والمناطق وتقييمها قبل توسيعها.

وترى حمود أن أطفالاً وشباباً عاشوا سنوات الحرب لا يحتاجون إلى العودة إلى الدراسة فقط، بل إلى بيئة آمنة، وعلاقات داعمة، ومساحات للتعبير، وفرص لاكتساب المهارات.

وهنا يمكن للسوريين في الخارج المساهمة من خلال نقل المعرفة والتدريب وبناء الشراكات، لا عبر استنساخ المؤسسات، وإنما بتطوير نماذج تناسب الواقع السوري.

في النهاية، تعود الأستاذة دانية حمود إلى سؤال بسيط يغيّر طريقة النظر إلى الطفل: «ماذا يحدث خلف هذا السلوك؟»

فإعادة بناء المدرسة بعد الحرب لا تتعلق بإعادة فتح أبوابها وعودة الأطفال إلى مقاعدهم فقط، بل بإعادة التفكير في احتياجاتهم.

بعد سنوات الحرب، هل يكفي أن نعيد الطفل إلى مقعده الدراسي، أم أن السؤال الأهم هو: ماذا يحتاج هذا الطفل كي يستعيد قدرته على التعلّم، والثقة، وبناء مستقبله؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني