بعد 12 عاماً على تدخل التحالف في سوريا.. من يجبر ضرر المدنيين؟

0 8

بعد اثني عشر عاماً على بدء الضربات الجوية للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش داخل سوريا، تعود قضية المدنيين الذين سقطوا خلال العمليات العسكرية إلى الواجهة، لكن من زاوية مختلفة: ليس فقط كم عدد الضحايا، بل من يملك صلاحية الاستماع إلى مطالب أسرهم، وتقييم الضرر، وتحديد المسؤولية، ومنح التعويض عندما تثبت المسؤولية؟

دعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان الدول المشاركة في عمليات التحالف إلى إنشاء لجنة مستقلة لمطالبات المدنيين وجبر الضرر، مستندة إلى قاعدة بياناتها التي توثق مقتل ما لا يقل عن 3,048 مدنياً، بينهم 925 طفلاً و656 سيدة، إضافة إلى 172 مجزرة و181 اعتداءً على منشآت مدنية حيوية منذ أيلول/سبتمبر 2014. وهذه أرقام توثيقية للشبكة، ولا تعني بذاتها ثبوت المسؤولية القانونية عن كل حالة.

بدأت العمليات الجوية للتحالف داخل سوريا في 22 أيلول/سبتمبر 2014، وأعلنت القيادة المركزية الأميركية في اليوم التالي تنفيذ ضربات بمشاركة دول شريكة ضد أهداف لتنظيم داعش. ومع استمرار العمليات، وُجدت لدى التحالف آليات لتلقي ادعاءات سقوط ضحايا مدنيين والتحقيق فيها، مع نشر نتائج دورية لهذه التقييمات.

لكن وجود آلية للتحقيق في ادعاءات الخسائر المدنية لا يعني بالضرورة وجود نظام مستقل وموحد للمطالبات وجبر الضرر.

وهنا تتمركز دعوة الشبكة السورية: إنشاء هيئة يستطيع المدنيون السوريون اللجوء إليها لتقديم مطالباتهم، والحصول على قرارات معللة، ثم طلب مراجعتها أمام جهة مستقلة. وبذلك ينتقل السؤال من مجرد: «هل تسببت الضربة في مقتل مدنيين؟» إلى سؤال آخر يتعلق بحقوق الضحايا: «ماذا يحدث بعد إثبات الضرر والمسؤولية؟».

ويكتسب هذا النقاش أهمية قانونية لأن قرار مجلس الأمن رقم 2249 لعام 2015، الذي دعا الدول القادرة إلى اتخاذ جميع التدابير اللازمة ضد داعش في سوريا والعراق، ربط تلك التدابير صراحة بالالتزام بالقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين.

لكن القرار لا يعني أن كل عملية نفذها التحالف تُنسب تلقائياً إلى جميع الدول المشاركة فيه. فالقانون الدولي يميز بين العضوية في تحالف عسكري وبين إسناد فعل محدد إلى دولة بعينها.

وبموجب مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول، يُنسب سلوك أجهزة الدولة إلى الدولة نفسها، بينما يتطلب إسناد سلوك قوة غير حكومية إلى دولة أخرى إثبات علاقة محددة من التعليمات أو التوجيه أو السيطرة. كما يمكن أن تتحمل عدة دول مسؤولية عن الفعل غير المشروع نفسه، لكن مسؤولية كل دولة تُبحث على أساس سلوكها والتزاماتها الخاصة، لا لمجرد مشاركتها في التحالف.

وهذا التفصيل مهم في الحالة السورية، إذ شملت عمليات التحالف دولاً نفذت ضربات جوية وأخرى قدمت أشكالاً مختلفة من الدعم العسكري. لذلك لا يمكن تحويل العدد الإجمالي للضحايا إلى مسؤولية قانونية تلقائية على جميع الدول المشاركة.

كذلك، لا تكفي وفاة مدني وحدها لإثبات وقوع انتهاك للقانون الدولي الإنساني. ففي سياق الأعمال العدائية، تخضع العمليات لقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات، ويتطلب إثبات الانتهاك فحص ظروف كل حادثة على حدة. أما إذا جرى استخدام القوة في إطار إنفاذ القانون، فتختلف القواعد التي تحكم استخدام القوة المميتة.

وعندما يثبت أن سلوكاً منسوباً إلى دولة شكّل فعلاً غير مشروع دولياً، تترتب على الدولة المسؤولة التزامات بجبر الضرر. وتشمل أشكال الجبر، بحسب الظروف، الرد والتعويض والترضية، إضافة إلى ضمانات عدم التكرار. كما تنص القاعدة 150 من القانون الدولي الإنساني العرفي، وفق دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على جبر كامل للخسارة أو الضرر الناجمين عن انتهاكات القانون الإنساني الدولي.

وهنا تظهر الفجوة التي تريد الشبكة السورية لحقوق الإنسان لفت الانتباه إليها: التوثيق ليس تعويضاً، والتحقيق ليس بالضرورة جبراً للضرر.

فأسرة فقدت أحد أفرادها في ضربة جوية لا تحتاج فقط إلى معرفة ما إذا كانت الحادثة قد وقعت، وإنما تحتاج أيضاً إلى معرفة الجهة المسؤولة عنها، وما إذا كان قد وقع إخلال بالقانون، وما هي سبل الانتصاف المتاحة إذا ثبتت المسؤولية.

ولا يعني إنشاء مثل هذه الآلية افتراض مسؤولية مسبقة للتحالف أو لدولة بعينها. على العكس، يمكن لآلية مستقلة أن توفر مساراً لفحص المطالبات حالة بحالة، وتحديد الوقائع والأدلة، والتمييز بين الحالات التي لا تثبت فيها المسؤولية وتلك التي تتوافر فيها عناصرها، ثم تحديد شكل الجبر المناسب.

ومع انتقال سوريا إلى مرحلة سياسية جديدة بعد سقوط نظام الأسد، تعود ملفات الانتهاكات المرتبطة بمختلف أطراف النزاع إلى النقاش من زوايا متعددة. وإذا كانت العدالة الانتقالية تتعلق بمعالجة آثار الانتهاكات التي لحقت بالسوريين، فإن أضرار العمليات العسكرية الدولية تطرح بدورها سؤالاً عن حق الضحايا في المعرفة والانتصاف وجبر الضرر.

بعد اثني عشر عاماً على بدء تدخل التحالف، لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كانت العمليات العسكرية ضد داعش تستند إلى أساس قانوني، بل أيضاً بما إذا كان يمكن أن تترافق محاربة الإرهاب مع آلية مستقلة تضمن للمدنيين المتضررين حقهم في تقديم المطالبات، وفحصها، والحصول على جبر للضرر عندما تثبت المسؤولية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني