محاكمة أحمد حسون.. اختبار المحاكمة العادلة في القضاء السوري

0 4

لا تختبر محاكمة أحمد بدر الدين حسون، المفتي العام السابق للجمهورية العربية السورية، مسؤولية المتهم عن الوقائع المنسوبة إليه فحسب، بل تختبر أيضاً قدرة القضاء السوري على إدارة قضية شديدة الحساسية وفق معايير المحاكمة العادلة. وبعد جلستين أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ترصد الشبكة السورية لحقوق الإنسان إجراءات قالت إنها تضمنت ضمانات أساسية، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة لم تحسمها المعطيات المتاحة بعد.

انعقدت الجلسة الأولى في 25 حزيران/يونيو 2026، والثانية في 16 تموز/يوليو، وشهدتا تلاوة ملخص قرار الاتهام، وعرض النيابة العامة لنظريتها، واستجواب حسون، ثم الانتقال إلى سماع الشهود.

وبحسب ما أورده تقرير الشبكة، حضر حسون برفقة محاميه، وأُبلغ علناً بمضمون التهم الرئيسة، وأُتيح للدفاع تقديم شهوده. وهذه من الضمانات الأساسية التي تدخل ضمن الحق في محاكمة عادلة، إلى جانب قرينة البراءة وحق الدفاع وتكافؤ الوسائل بين الادعاء والدفاع، وهي مبادئ تؤكدها المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

لكن المحاكمة شهدت أيضاً نقاطاً تحتاج إلى مزيد من التدقيق.

في الجلسة الأولى، عُرضت أمام المتهم مواد صوتية ومرئية، اعترض حسون على بعضها، معتبراً أنها مقتطفات مجتزأة من سياقها، وطالب بعرض التسجيلات كاملة. وأكد، بحسب التقرير، أن علاقاته ببعض مسؤولي السلطات السابقة كانت مرتبطة بمنصبه الرسمي، وأنه استخدم بعضها للتوسط من أجل الإفراج عن معتقلين ومساعدة مدنيين.

أما في الجلسة الثانية، فاستمعت المحكمة إلى شاهدين للنيابة، حُجبت هوية أحدهما، ثم إلى خمسة شهود قدمهم الدفاع. وتفاوتت إفادات شهود الادعاء بين وقائع قالوا إنهم عاينوها مباشرة، ومعلومات منقولة عن آخرين، واستنتاجات شخصية حول دور حسون وعلاقاته. في المقابل، ركز شهود الدفاع على وقائع قالوا إن المتهم تدخل فيها لمساعدة محتجزين أو أسرهم.

ولا يعني وجود شاهد محمي بحد ذاته انتهاكاً لحقوق الدفاع؛ فحماية الشهود قد تكون ضرورية في بعض القضايا. لكن المسألة القانونية تتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين الحماية وحق الدفاع في اختبار الشهادة ومصداقيتها. ولهذا أثار تقرير الشبكة سؤالاً محدداً حول نطاق حجب الهوية والضمانات التي رافقت هذا الإجراء.

وتبرز مسألة أخرى في المواد الصوتية والمرئية. فإذا كانت التسجيلات جزءاً أساسياً من الأدلة، فإن تمكين الدفاع من الاطلاع على المادة ذات الصلة بصورة كافية يصبح جزءاً من القدرة الفعلية على مناقشة الدليل، لا مجرد إجراء شكلي. ويشمل الحق في المحاكمة العادلة توفير الوقت والتسهيلات اللازمة لإعداد الدفاع، وفق تفسير لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان للمادة 14.

كما توقف التقرير عند استخدام رئيس المحكمة، خلال مناقشة شهادة أحد شهود الدفاع، وصفاً قطعياً لأحد الأشخاص المرتبطين بالقضية باعتباره «مجرماً». ولم تعتبر الشبكة ذلك دليلاً على تحيز المحكمة، لكنها رأت أن مثل هذه اللغة تستحق الانتباه من زاوية مظهر الحياد، خصوصاً عندما تكون علاقة ذلك الشخص بالمتهم جزءاً من الوقائع محل النقاش.

ولا تقتصر الأسئلة على الإجراءات، بل تمتد إلى الإطار القانوني الذي ستبنى عليه المحاكمة. فملخص قرار الاتهام، بحسب التقرير، يتضمن مزاعم بالتحريض على ارتكاب جرائم، والتدخل في أعمال قتل، وإثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي، وإساءة استعمال النفوذ، إضافة إلى تكييفات مرتبطة بالقانون الجنائي الدولي، بينها الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

وهنا تظهر مسألة مبدأ الشرعية: ما هو الأساس القانوني الدقيق لكل تهمة؟ وما القانون الذي كان نافذاً وقت وقوع الأفعال المنسوبة إلى المتهم؟ وكيف تُستخدم قواعد القانون الدولي داخل القضاء الوطني؟ وهي أسئلة تختلف عن مسائل التقادم أو العفو، ولا يمكن دمجها في مفهوم واحد.

وتشدد الشبكة على أن ما ورد في تقريرها لا يمثل حكماً على مسؤولية حسون أو صحة الاتهامات أو القيمة النهائية للأدلة. وهذا التفريق جوهري؛ فمراقبة المحاكمة تقيس الإجراءات والضمانات، بينما تبقى مسؤولية المتهم وتقييم الأدلة من اختصاص المحكمة بعد استكمال نظر الدعوى.

وتوصي الشبكة باستمرار احترام قرينة البراءة، وتمكين الدفاع من فحص المواد الكاملة ذات الصلة، وتعليل إجراءات حماية الشهود، وتحديد الأساس القانوني للتكييفات الجنائية بدقة، إلى جانب وضع قواعد واضحة لحماية الشهود والأدلة الرقمية وتنظيم حضور الإعلام والمراقبين في الجلسات العلنية.

في مرحلة تحاول فيها سوريا إعادة بناء مؤسساتها القضائية بعد سنوات من النزاع والانتهاكات، لا تنفصل قيمة المحاكمة عن النتيجة التي ستنتهي إليها. فالمساءلة تحتاج إلى أدلة قابلة للاختبار، كما تحتاج العدالة إلى إجراءات يمكن الدفاع عن نزاهتها.

ويبقى السؤال الأوسع: هل تستطيع المحاكم السورية أن تجعل احترام حقوق المتهم جزءاً من محاسبة من يُتهمون بارتكاب الانتهاكات، بحيث تصبح المحاكمة العادلة نفسها إحدى أدوات بناء الثقة بالقضاء والعدالة الانتقالية؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني