
حين يصبح البقاء أهم من الحرية
كيف يتحوّل الإنهاك إلى شكل جديد من السيطرة؟
في كثير من المجتمعات المعاصرة، يدرك الناس تدريجياً أن أخطر ما يواجههم لم يعد الخوف التقليدي الذي يقوم على الردع المباشر، بل شيء أكثر هدوءاً واستدامة وخطورة: الإنهاك.
حين يستيقظ الإنسان كل صباح وأول سؤال يخطر بباله ليس: «كيف أعيش حياة أفضل؟» أو «كيف أبني مستقبلي؟»، بل: «كيف أستمر اليوم فقط؟»، فإن شيئاً عميقاً وخطيراً يحدث في بنية المجتمع. لم يعد الإنسان يُقمع بالضرورة بالقوة المباشرة، بل يُرهق ببطء وبشكل منهجي. لم يعد يُمنع من الكلام، بل أصبح لا يملك القدرة الفعلية على تحويل هذا الكلام إلى فعل حقيقي.
الاستبداد التقليدي يقول للمواطن: «لا تتكلم»
أما استبداد الإنهاك فيقول له: «تكلم كما تشاء… لكنك لن تملك القدرة على فعل شيء»
هذه الظاهرة ليست مصادفة تاريخية. ففي المجتمعات الخارجة من حروب أو أزمات طويلة، وفي كثير من المجتمعات التي تعيش تحت ضغط اقتصادي حاد ومتواصل، يأتي التغيير السياسي أو «الانفتاح» بعد استنزاف طويل ومتراكم. فيصل الإنسان إلى لحظة الخلاص وهو في أضعف حالاته الوجودية. فيصبح البقاء أولوية مطلقة، وتتحول الحرية – التي طالما حلم بها – إلى رفاهية بعيدة المنال.
الإنهاك هنا ليس تعباً فردياً عادياً. هو حالة مزمنة تنتجها منظومة كاملة ومعقدة: اقتصاد هش يفرض رفع الدعم وتحرير الأسعار دون حماية اجتماعية كافية، عمل غير مستقر، ديون متراكمة، وتسارع حياتي يمحو الحدود بين الراحة والكفاح اليومي. يتحول الزمن نفسه إلى عدو يومي. لا يوجد وقت للتفكير في الغد أو بناء المستقبل، لأن اليوم وحده يلتهم القدرة على التفكير بما بعده.
حين يتحول كل يوم إلى معركة استنزاف، يصبح المستقبل ترفاً نفسياً لا يملكه كثيرون.
ونتيجة ذلك أن المجتمع يتحول تدريجياً من جماعة تحلم وتشارك وتحاسب، إلى مجموعة أفراد منهكين يبحثون عن النجاة الفردية. السياسة تصبح رفاهية. المشاركة العامة تصبح مكلفة نفسياً. والاستقرار – حتى لو كان هشاً – يبدو خياراً أقل تكلفة من أي محاولة للتغيير أو المواجهة.
هذا الاستبداد لا ينتجه فاعل واحد واعٍ بالكامل، بل منظومة مركّبة: دولة تواجه عجزاً مالياً هائلاً، سوق يعمل بمنطق الاستثمار السريع والمضارب، ثقافة إنتاجية مفرطة، وانهيار للمؤسسات الاجتماعية. في هذه المنظومة، يصبح الإنهاك أداة ضبط فعالة ومستدامة، لأنه يحول المواطن من فاعل سياسي إلى كائن مشغول بالاستمرار فقط.
الظاهرة ليست خاصة ببلد واحد. ففي كثير من المجتمعات التي مرت بأزمات طويلة أو تحولات اقتصادية حادة، نرى المشهد نفسه: مساحات أوسع للكلام متاحة، لكن القدرة على تحويلها إلى فعل عام أصبحت مُستنزَفة.
كيف نحمي روح الإنسان المعاصر من أن يغرق في الإنهاك، بعد أن نجا من أشكال الخوف القديمة؟