خلف أبواب البيوت: كيف تصنع الأزمات الاقتصادية العنف الأسري؟

0 5

في بيوت سورية كثيرة، لا يبدأ العنف بصفعة، بل بفاتورة لا تُدفع، وراتب فقد قيمته، وإيجار يلاحق العائلة آخر الشهر. الاقتصاد هنا ليس عذراً للعنف، ولا سبباً وحيداً له، لكنه يتحول، حين يلتقي بثقافة أبوية وضعف قانوني وغياب الدعم النفسي، إلى ضغط يومي قابل للانفجار داخل أكثر الأماكن هشاشة: البيت. لذلك، لا تكفي إدانة المعتدي أخلاقياً، رغم ضرورتها، ما لم نفهم كيف تُصنع لحظة الانفجار داخل سياق اجتماعي واقتصادي أوسع.

تقدم سوريا مثالاً حاداً على هذه العلاقة. فبعد أكثر من عقد من الحرب والنزوح وانهيار الخدمات، لم تعد الأزمة الاقتصادية رقماً في نشرات الأخبار، بل صارت جزءاً من تفاصيل الحياة: أب يبحث عن عمل مؤقت، أم تبيع قطعة ذهب أخيرة، أطفال ينامون قبل العشاء كي لا يطلبوا طعاماً إضافياً.

تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 20 مليون سوري، أي نحو 90% من السكان، يعيشون في فقر مالي، فيما توقع البنك الدولي ارتفاع الفقر المدقع في سوريا إلى 37.4% في 2026. هذه الأرقام لا تشرح العنف وحدها، لكنها تفسر البيئة التي تضيق فيها قدرة الناس على الاحتمال.

العنف الأسري في هذه الحالة لا يولد من الجوع وحده، بل من انهيار المعنى الاجتماعي المرتبط بالدور الاقتصادي. في مجتمعات اعتادت أن تقيس “رجولة” الرجل بقدرته على الإنفاق والحماية، يصبح فقدان العمل أو العجز عن تأمين الخبز تهديداً للهوية، لا للدخل فقط. بعض الرجال يعبرون عن هذا الانكسار بالصمت أو الانسحاب أو الاكتئاب، لكن آخرين، حين تغيب مهارات التعامل مع الضغط وتستمر ثقافة الطاعة والسيطرة، يعيدون إنتاج سلطتهم في المكان الوحيد الذي لا يزالون يملكون فيه قوة مباشرة: داخل الأسرة.

في مقابلات وتقارير إنسانية عن سوريا، تتكرر صورة امرأة تقول إن زوجها لم يكن عنيفاً بهذا الشكل قبل أن يخسر عمله، أو أم تخفي آثار الضرب لأن أهلها غير قادرين على استقبالها، أو طفلة تُزوّج مبكراً لتخفيف عبء المصروف. هذه ليست حكايات معزولة؛ فقد أشار تقرير “أصوات من سوريا 2025” الصادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى زيادة العنف الجسدي، وربط مشاركون ذلك بالأزمة الاقتصادية والتوتر والبطالة بين الرجال. كما وثقت تقارير أخرى استمرار العنف المنزلي وزواج الأطفال والتحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي كجزء من مشهد الحماية المتدهور في البلاد. 

لكن الخطأ الأكبر أن نحمّل الفقر وحده المسؤولية. فهناك فقراء لا يعنفون عائلاتهم، وأغنياء يمارسون العنف. الفارق الحاسم يكمن في البنية التي تمنح المعتدي شعوراً بالإفلات: قانون ضعيف، مجتمع يطلب من المرأة “الصبر”، خطاب ديني أو اجتماعي يخلط بين القوامة والسيطرة، ومؤسسات حماية محدودة أو غير آمنة. عندها تصبح الأزمة الاقتصادية شرارة، بينما تكون الثقافة والقانون هما الوقود.

مواجهة العنف الأسري في سوريا لا تبدأ فقط بتحسين الدخل، رغم ضرورته، بل ببناء شبكة حماية كاملة: فرص عمل تحفظ الكرامة، دعم نفسي للرجال والنساء، مراكز آمنة للنساء المعنفات، قوانين واضحة ضد العنف المنزلي، وخطاب اجتماعي وديني يرفض تحويل العجز الاقتصادي إلى سلطة قاسية على الأضعف. فالبيت لا يصبح آمناً حين يعود المال فقط، بل حين لا تُقاس الرجولة بالسيطرة، ولا تُختبر الطاعة بالخوف.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني