
النفط وتوابعه: نعمة أم نقمة (1)
هذه الخاطرة ليست موضوعاً فنياً وإحصائيات كمية عن النفط كمادة بحثية خاصة في ظل غياب الاحصائيات الفعلية بسبب الحرب أو بسبب التكتم. وإنما هذه الخاطرة عرض اقتصادي واجتماعي وسياسي وفيه كثير من الرأي والتحليل الموجز لمصيبة النفط في سورية خلال الـ 50 عاماً من عمر اكتشافه والبدء بإنتاجه.
1- نعمة النفط
النفط (أو الذهب الأسود) الي يسيل له لعاب الدول الغنية قبل الفقيرة ولعاب كل مسؤول صغيراً وكبيراً. ولهذا فان كثير من الاقتصاديين يحذرون من انقلاب هذه النعمة الى نقمة على البلاد والعباد بسبب الطمع البشري الكامن خلف كل قناع.
وجود النفط عامة في أي دولة بما فيها سورية هو نعمة بالمنطق إذا أحسن استخدامه. وهو من الثروات الباطنية التي ترفد جهود التنمية الاقتصادية في البلد الذ اكتشفت فيه. وهذه بديهية لا تحتاج الى شرح وتحليل. وقد ارتفع الإنتاج تدريجياً ليصل إلى نحو 600 ألف برميل يومياً منذ بداية التسعينات من القرن الماضي حتى انطلاق الثورة السورية عام 2011. ولو قدرنا الإيرادات من النفط والغاز بحسب متوسط أسعار النفط قي تلك الفترة لكانت حصة الحكومة من الإيرادات النفطية تتجاوز 16 مليار دولار سنوياً في المتوسط خلال تلك الفترة. وهذا المبلغ السنوي قادر على النهوض بالاقتصاد السوري إلى مستويات متقدمة خاصة عندما يضاف إلى موارد الخزينة العامة التقليدية الكبيرة والمستقرة. ولكن لماذا لم نر آثار هذه النعمة على وجوه السوريين أو حكومتهم أو اقتصادهم. بل استمرت الحياة الضنكة والمعاناة الشديدة التي كانت وقوداً للثورة السورية ضد نظام الأسد عام 2011 والتي استمرت 14 عاماً حتى سقط النظام وهرب الأسد. يبدو أن هذه النعمة قد تحولت إلى نقمة فعلاً.
2- كيف تحول النفط الى نقمة
أصبح النفط السوري فعلاً نقمة في دولة الفساد البائد. بدلاً من التنمية زادت مناطق إنتاج النفط تخلفاً وفقراً وجهلاً بصورة مقصودة، بل ولئيمة. منذ اليوم الأول لإنتاجه. واستمر الحال على ذلك لمدة 45 عاماً. ثم جاءت الثورة وقفز إلى عربتها الانفصاليون والانتهازيون والفاسدون وقطاع الطرق. وعنما سقط النظام البائد واستعادت الدولة أغلب حقول النفط عام 2026 استمرت النقمة بشكل أوقح وبدائي.
بمجرد ما طردت العشائر العربية قسد الكردية وسيطرت على المنطقة عام 2026 جاء الجيش السوري وأعلن ملكيته للأرض وما عليها وما في جوفها للدولة. هنا لا اعتراض على الدولة. ولكن أي دولة؟ هل هي الدولة الديمقراطية التي فيها حساب وعقاب أم دولة الدائرة الضيقة والولاء. وكأن هذا النفط غنيمة حرب من أرض الأعداء وليس ملكاً لكل السوريين وخاصة أبناء المنطقة. ونسأل هل تمت استشارة أبناء المنطقة الذين قاتلوا أو المنتجين الصغار الذين أبقوا مادة مشتقات النفط متاحة لأبناء المنطقة ولكل سورية حتى ولو بصورة بدائية. لا أحد سمح لهم حتى بالكلام. إنه أسلوب الاستحواذ التام يتكرر دائماً.
كثرت الإشاعات حول كيفية إدارة النفط وتطوير حقوله بعد استعادته من الأكراد. ومنهم يقول بأن الحكومة الانتقالية قد كافأت الأتراك وأعطتهم حصة مهمة، كما كافأت الأمريكان وأعطتهم حصة كبيرة. وما تبقى أعطي لشركات المافيا السورية الجديدة. وهذا هو الذي حصل في الظلمة لأن الحكومة العتيدة لم تتكرم علينا نحن المواطنين وتصدر ولو بياناً واحداً يخبر السوريين ماذا حصل لثرواتهم التي كانت منهوبة واستردت إعلامياً.
وما وزاد الطين بلة عندما تشكلت الحكومة الانتقالية عام 2025 بعد سقوط النظام البائد دمجت وزارة النفط والثروة المعنية ووزارة الكهرباء ووزارة الموارد المائية في وزارة واحدة اسمها وزارة الطاقة ضاعت فيها كل المعاني الهندسية والاقتصادية والإنسانية بمسمى هجين يبرر الفساد وقلة الكفاءة. وضاعت الطاسة، كما يقولون في الأمثال الشعبية. ثم سموا لها وزيراً واحداً (قليل الخبرة والمعرفة ومنفصل عن الواقع وكأنه قادم من الفضاء البعيد) ليجمع بين النفط والغاز والفوسفات والملح ومحطات توليد الكهرباء والسدود وقنوات الري الزراعي والموارد المائية.
بدأت نقمة النفط تاريخياً عندما أخفى النظام البائد كل عائداته بعيداً عن الشعب واحتياجاته. والنقمة استمرت بأسوأ أحوالها في عصر الحكومة الانتقالية الحالية بعد استعادة الدولة أغلب الحقول النفطية في دير الزور من قسد البائسة. واستمرت النقمة مثل: كالمستجير من الرمضاء بالنار وخاصة في زمن الوزير الحالي محمد البشير الذي لم يحظ أي وزير سابق مثله بشرف سيل الشتائم القذرة، بل امتدت من الشتائم إلى المواجهات المسلحة ضد وزارته في دير الزور.
3- سيرة المأساة النفطية
أغلب النفط ينتج في محافظة دير الزور (الحقول الأحدث والأضخم) ومحافظة الحسكة (الأقدم والأصفر).
لم تحظ تلك المناطق بأي من مصادر النعمة تلك، بل كانت نقمة شاملة. كانت حصة المنطقة هي التلوث والأمراض الناشئة عنه. أما الحصة المالية من الإيرادات فكانت صفراً تماماً لأنه يذهب إلى “أيدي أمينة” ولا شيء لتنمية هذه المناطق البائسة وكأن فوز أبناء المنطقة ممثلاً بعدد قليل من وظائف النظافة والحراسة والسواقة.
رغم أن النفط اكتشف أول مرة في محافظة الحسكة وبدأ الإنتاج في سورية عام 1968. إلا أن القفزة الكبيرة بالإنتاج تحققت عندما اكتشفت حقول النفط في دير الزور عامي 1988 و1990. وأشارت بعض الإحصائيات المنشورة غير الرسمية أن إنتاج النفط السوري قد بلغ حينها نحو 600 ألف برميل يومياً. وهذا أعلى مستوى، والذي استمر تقريباً لمعظم سنوات التسعينيات.