
القمح السوري واختبار الدولة المؤسسية
ليست قضية سعر القمح في سوريا تفصيلاً زراعياً عابراً، ولا قراراً مالياً يمكن قراءته بمعزل عن بنية السلطة. فالقمح، في بلد أنهكته الحرب وتآكلت فيه القدرة الشرائية، ليس مجرد محصول في الحقول؛ إنه خبز الناس، ودخل الفلاح، ومؤشر على قدرة الدولة على إدارة الأمن الغذائي. لذلك، فإن الطريقة التي يُحدَّد بها سعره تكشف الكثير عن طبيعة الحكم، وتطرح سؤالاً واضحاً: هل نحن أمام مؤسسات تدرس وتقرر وتتحمل مسؤولية قراراتها، أم أمام سلطة مركزية تتدخل دائماً لتصحيح ما تعجز المؤسسات عن إنجازه؟.
في العام الماضي، حددت وزارة الاقتصاد والصناعة سعر شراء طن القمح القاسي من الدرجة الأولى بـ 320 دولاراً، ثم صدر مرسوم رئاسي بمنح المزارعين مكافأة تشجيعية قدرها 130 دولاراً عن كل طن، ليصبح السعر الفعلي نحو 450 دولاراً للطن. هذا العام تكرر المشهد بصيغة أخرى؛ إذ حُدد سعر شراء القمح القاسي عند نحو 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن، ثم جرى رفع السعر لاحقاً بقرار رئاسي بمقدار 9 آلاف ليرة سورية. تكرار هذا النمط لا يسمح باعتباره صدفة إدارية، بل يجعله مؤشراً على طريقة إدارة القرار الاقتصادي.
هنا لا يعود السؤال فقط هل الزيادة جيدة للفلاحين؟ غالباً نعم، من حيث المبدأ. السؤال الأعمق هو لماذا لم يخرج السعر النهائي منذ البداية من الوزارة بوصفه قراراً مدروساً ومتكاملاً؟ فإذا كانت الوزارة قد أخطأت في تقدير كلفة الإنتاج وحاجة الفلاحين والسوق، فهذا يعني أن القرار الاقتصادي يصدر ناقصاً. أما إذا كانت قد تركت هامشاً مقصوداً لتدخل الرئيس، فنحن أمام سياسة اقتصادية تُستخدم لإنتاج صورة الحاكم المنصف أكثر مما تُستخدم لبناء قرار مؤسسي واضح.
في الحالتين، المشكلة مؤسسية. فالوزير يبدو كأنه يعلن رقماً قابلاً للتصحيح، والرئيس يظهر كأنه السلطة التي تمنح العدالة بعد قصور الإدارة. بهذا المعنى، لا تنتج الدولة قراراً عقلانياً مستقراً، بل تنتج مشهداً سياسياً متكرراً: وزارة تعلن، الفلاحون يعترضون، الرئيس يتدخل، ثم يُعاد تثبيت المركز الرئاسي بوصفه مصدر الحل.
هذا النمط خطير لأنه يضعف فكرة المؤسسة. فالمواطن لا يعود ينتظر من الوزارة دراسة عادلة، بل ينتظر القرار الرئاسي اللاحق. والوزير لا يظهر كصاحب سياسة عامة، بل كموظف يمهّد لمبادرة أعلى. أما الدولة، فتبدو أقل كياناً مؤسسياً قادراً على التخطيط، وأكثر شبكة قرارات تحتاج دائماً إلى تدخل شخصي من القمة.
القمح هنا مرآة سياسية. فإذا كانت السلطة تريد بناء دولة، فالأصل أن تتشكل لجنة اقتصادية وزراعية ومالية تعلن سعراً نهائياً واضحاً، مع شرح كلفة الإنتاج وهامش الربح وآلية الدفع. أما إذا بقيت القرارات تصدر ناقصة ثم تُصحح رئاسياً، فنحن لا نبني مؤسسات، بل نعيد إنتاج منطق السلطة الأبوية التي تمنح وتصحح وتتدخل.
لذلك، فإن زيادة سعر القمح ليست مجرد خبر اقتصادي، بل علامة على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. الدولة المؤسسية لا تحتاج إلى بطولة يومية من رأس السلطة كي تبدو عادلة؛ تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إنتاج القرار الصحيح من المرة الأولى. أما حين تصبح العدالة مرهونة بالتدخل الرئاسي اللاحق، فإن المشكلة لا تكون في سعر القمح وحده، بل في بنية القرار نفسها.