التحديات الهيكلية أمام مصرف سورية المركزي

0 4

في قلب أي نظام مالي حديث، لا يقف المصرف المركزي كمجرد جهة تنظيمية، بل كحارس للعقد الاجتماعي النقدي الذي يربط الدولة بمواطنيها. هذا العقد، المستند إلى الثقة، يتطلب أن تكون أفعال المؤسسة النقدية انعكاساً أميناً لخطابها، وأن تترجم استراتيجياتها المعلنة إلى تحولات ملموسة في حياة الأفراد والأسواق. في الحالة السورية، حيث تحاول الدولة النهوض من تحت رماد صراع طويل الأمد، يصبح هذا العقد أكثر هشاشة وأكثر إلحاحاً في آنٍ واحد.

إن تغيير حاكم مصرف سورية المركزي في 15 أيار 2026، بتعيين محمد صفوت رسلان خلفاً لعبد القادر الحصرية، لا يمثل مجرد حدث إداري روتيني، بل هو لحظة تأسيسية تختبر بعمق فرضية أساسية: هل يمكن بناء استراتيجية طموحة للاستقرار المالي والنقدي على أرضية من التنفيذ التقني الذي لا يرقى إلى مستوى الطموح، وفوق كل ذلك، في بيئة تغيب عنها الثقة المؤسسية؟

يأتي هذا التغيير بعد نحو سبعة أشهر فقط من إعلان المركزي في تشرين الثاني 2025 عن “استراتيجيته الشاملة للأعوام 2026-2030″، وهي وثيقة طموحة للغاية تتألف من 5 ركائز استراتيجية رئيسية، وتضم أكثر من 30 برنامجاً ومبادرة تنفيذية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى ترسيخ دور المصرف “كركيزة وطنية للاستقرار والثقة”، وبناء اقتصاد متين وشامل ومندمج عالمياً، من خلال سياسات نقدية موثوقة، وسوق صرف متوازن، ونظام مصرفي سليم، ومدفوعات رقمية آمنة، وتكامل مالي دولي مستدام.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن لصرح بهذا الحجم أن يُبنى دون فحص دقيق ونقدي لأساساته؟

الفجوة بين الكلام والفعل جوهر الأزمة المالية السورية

لعل أبرز مثال على الفجوة بين الكلام والفعل هو عملية استبدال العملة الوطنية، التي أُعلن عنها في خطاب رسمي بوصفها عملية جراحية دقيقة وعنواناً لانتهاء مرحلة سابقة غير مأسوف عليها.

هذه اللغة الخطابية توحي بقطيعة رمزية وتقنية جذرية، وهو ما يتماشى مع الطموح الاستراتيجي للمركزي. حيث بدأت العملية فعلياً في 1 كانون الثاني 2026 بموجب المرسوم رقم 293 لعام 2025، القاضي بإزالة صفرين من العملة واستبدال الأوراق النقدية القديمة بأخرى جديدة.

غير أن المتابع لمسار التنفيذ يصطدم بواقع أكثر تواضعاً، بل ويثير تساؤلات حول جدية التخطيط وصدقيته. فبعد مرور أشهر على بدء العملية، ورغم إعلان الحاكم السابق عبد القادر الحصرية في بداية أيار 2026 عن استبدال ما يقرب من 56% من الكتلة النقدية القديمة، وهو ما يشكل وتيرة فاقت التوقعات كما قال، إلا أنه سرعان ما تم تمديد المهلة الممنوحة للمواطنين. وإصدار القرار رقم 222 في 22 شباط 2026 بتمديد المهلة لمدة 60 يوماً إضافية اعتباراً من 1 نيسان 2026، ولاحقاً تم تمديد الموعد النهائي حتى 30 حزيران 2026.

هنا يكمن المأزق. إن استبدال العملة هو إجراء تقني – إداري يفترض أن يكون المرحلة الأبسط ضمن 75 مبادرة (أو ما يزيد على 30 برنامجاً حسب البيانات الرسمية) التي أعلن عنها المركزي. إنه الخطوة الأولى على طريق إعادة بناء الثقة. فإذا كان هذا الإجراء البسيط نسبياً يتطلب تمديدات متكررة ويُدار بوتيرة متعثرة، فماذا عن المهام الأعقد مثل تحقيق استقرار نقدي مستدام، أو بناء سوق صرف منظم وشفاف، أو تعزيز التكامل مع النظام المالي العالمي؟ يتحول التمديد المتكرر هنا من كونه مرونة إلى سياسة قائمة بذاتها، دليلاً على عجز كامن في التخطيط والتنفيذ، ويجعل من الخطاب حول الجراحة الدقيقة نوعاً من التضليل.

إن هذه العبثية ليست مجرد فشل تقني، بل هي استمرار لحالة من انعدام الثقة. كيف يمكن للمواطن أن يصدق أن مصرفه المركزي، العاجز عن تنفيذ إجراء لوجستي بحت في موعده، قادر على قيادة تحول اقتصادي شامل؟ إن استبدال العملة دون خطة متكاملة لإدارة الكتلة النقدية، ودون رؤية واضحة لكيفية امتصاص السيولة الزائدة أو مكافحة التضخم الذي بلغ مستويات ثلاثية في السنوات الماضية، يجعله فعلاً فارغاً من مضمونه الاقتصادي. إنه استبدال للرموز (إزالة صور عائلة الأسد عن العملة) دون تغيير جوهري في المعادلة النقدية. وهذا يذكرنا بالحكمة الشعبية: “من كبّر الحجر لن يضرب”. فالتطويل في أضعف الإجراءات وأكثرها رمزية هو إعلان ضمني بعدم القدرة على حمل أي حجر، كبيراً كان أم صغيراً.

وتزخر استراتيجية المركزي 2026-2030 بعبارات مثل: (تطوير منظومة مدفوعات رقمية آمنة) و(توسيع الشمول المالي). وعلى صعيد الإعلانات، تم تحقيق خطوات يُحتفى بها، مثل توقيع مذكرة تفاهم تاريخية مع شركة ماستركارد في 23 أيلول 2025، بهدف تطوير البنية التحتية للمدفوعات الوطنية. كما صدر في 4 أيار 2026 قرار يسمح للمصارف وشركات الدفع الإلكتروني المرخصة بالتعامل مع شبكات الدفع العالمية، بما في ذلك بطاقة فيزا وبطاقة ماستركارد.

غير أن التحليل الأعمق يكشف أن هذا التحديث ليس سوى استنساخ لوضع قائم منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً، ولكن بأدوات اليوم. لطالما لجأ التجار السوريون، في غياب نظام مصرفي فعال، إلى تفعيل بطاقات الدفع العالمية عبر مصارف في لبنان والأردن، ثم تركيا. آنذاك، كما اليوم، كان التاجر السوري مجرد بائع، بينما بقيت عمليات إصدار البطاقات، وتحصيل قيمتها، وجني العمولات، حكراً على مصارف خارجية.

ما تغير اليوم هو أن الحل يُسوَّق على أنه إنجاز وطني، في حين أن جوهر العلاقة التبعية لم يتغير.

المشكلة ليست تقنية، ففي عام 2005، كان المصرف التجاري السوري رائداً إقليمياً عندما حصل على عضوية (فيزا) وأصبح أول مصرف سوري يصدر بطاقة فيزا باسمه. آنذاك، كان الأمل معقوداً على استخدام هذه البطاقة على الحدود لتخفيض عمولات التحصيل على حاملي البطاقات الأجنبية وتحفيز تدفق العملات الأجنبية إلى الداخل، لكن هذه الريادة أُجهضت بسبب العقوبات الدولية التي أعادت سورية إلى العزلة المالية.

ما يحدث اليوم، بعد عقدين من الزمن، هو العودة إلى نقطة الصفر نفسها، ولكن بلغة التحول الرقمي والشراكة مع عمالقة التكنولوجيا المالية، إنه وهم التحديث: تقدم في الشكل، وجمود في الجوهر، فغياب عضوية جادة لمصرف سوري ضمن شبكات الدفع العالمية يعني أن التاجر السوري سيبقى بائعاً، بينما تبقى البنية التحتية المالية الحقيقية وقنوات جني الأرباح خارج سيادة الدولة.

ولعل أعمق تجليات الأزمة البنيوية لا يكمن في العلاقة مع الخارج، بل في استعصاء بناء الثقة في الداخل. هنا تكمن مفارقة قاتلة: كيف يمكن لمصرف مركزي يطمح إلى التكامل مع النظام المالي العالمي أن يفشل في بناء تكامل أولي بين مكونات نظامه المصرفي المحلي؟

تتجسد هذه الأزمة في قضيتين رئيسيتين: الحوالات الداخلية وإدارة السيولة النقدية.

أولاً: في اقتصاد يعاني من شح حاد في السيولة، لا تزال الحوالات بين المصارف السورية المختلفة تُكلف رسوماً. هذا الحاجز الداخلي يضعف الثقة ويقوض أي جهد لتوحيد السوق المالية. في المقابل، نجد مصرفاً مركزياً يعلن أنه يتواصل مع أكبر خمسة بنوك في كل دولة لتسهيل حوالات المغتربين، وهو إجراء محمود، لكنه يظل منقوصاً إن لم يسبقه أو يرافقه إجراء أبسط وأكثر إلحاحاً: إلغاء الرسوم على الحوالات الداخلية لخلق سوق مالية موحدة.

ثانياً: يصل التناقض المؤسسي إلى ذروته في ملف استبدال العملة. يصدر المركزي تعليمات تمنع المصارف من تسليم العملة القديمة للمواطنين، في إجراء مفهوم للسيطرة على الكتلة النقدية. ولكن، في تناقض صارخ، يقوم المركزي نفسه بإعادة ضخ العملة القديمة إلى تلك المصارف! هذا الانفصام في السياسات لا يمكن تفسيره إلا بغياب حوكمة واضحة وتخطيط مركزي متماسك. إنها إدارة لا تحارب نقص السيولة فحسب، بل تُحكم حبس السيولة بشكل منهجي، ما يعمق أزمة الثقة ويجعل أي حديث عن التحول الرقمي أو الاندماج العالمي أقرب إلى ضرب من الخيال.

هنا يتجسد جوهر المشكلة السورية بعيداً عن لوم الأفراد. لقد ورث حاكم المركزي السابق نظاماً متآكلاً، لكنه كان يمتلك أيضاً إرثاً ذهبياً يُقدر بنحو 26 طناً من الذهب، وبنية مصرفية لم تدمر كلياً كما حصل في دول منكوبة فعلاً كرواندا. لكن خطابه ظل يركز على نقطة (تحت الصفر)، وعلى التشكيك في قدرات الموظفين السوريين بين فاسدين وضعفاء، متغافلاً عن أن الحلول الحقيقية تبدأ من الداخل وليس من خلال التعاقد مع أهم الشركات العالمية، خصوصاً أن تجارب مثل لبنان أثبتت فشل هذا النهج وحده. الرهان على الحلول الخارجية السحرية هو في العمق، هروب من مواجهة الاستعصاء الداخلي.

في النهاية، يعيدنا هذا التحليل إلى السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء الثقة في غياب الحقيقة؟ إن سورية، كما يكشف واقعها المصرفي، لا تعاني من أزمة سيولة أو نقص في الاستراتيجيات. هي تعاني من أزمة حوكمة وثقة عميقة، تتلخص في فجوة هائلة بين الكلام والفعل، بين الخطاب الاستراتيجي المنمق والإدارة اليومية المترهلة.

إن استحضار مآسي الماضي بشكل يومي وتحويل النظام السابق إلى فزّاعة أبدية لا يبني مستقبلاً. هذه الفزاعة، التي استخدمها النظام السابق لتبرير قمعه، يُعاد توظيفها اليوم لتبرير العجز عن الإنجاز وإلهاء السوريين عن أولوياتهم الحقيقية. لا تنفع هذه الفزاعة إلا في تثبيط الهمم، والتغطية على الفشل، وجعل الناس أسرى الماضي بدلاً من التطلع إلى المستقبل.

مع وصول حاكم جديد إلى مصرف سورية المركزي، السيد محمد صفوت رسلان، تتجدد الآمال بقدرة المؤسسة على استعادة بوصلتها، لكن التحدي الذي ينتظره ليس تقنياً في المقام الأول، بل هو تحدٍ وجودي: إعادة بناء العقد الاجتماعي النقدي مع السوريين. وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ثلاث تحولات جوهرية:

1- الانسجام بين الكلام والفعل: أن تكون الوعود الاستراتيجية، مهما كانت متواضعة، منسجمة تماماً مع القدرة التنفيذية على أرض الواقع. فالفعل المتواضع الصادق خير من ألف استراتيجية طموحة لا تجد طريقها إلى التنفيذ.

2- بناء الثقة من الداخل: وقف العبثية في إدارة أبسط الملفات (مثل استبدال العملة)، وتوحيد السوق المالية الداخلية عبر تحرير الحوالات بين المصارف، ووضع حد لانفصام السياسات الذي يعمق أزمة السيولة ويحبسها.

3- التواضع في التوقعات والصدق في المصارحة: التوقف عن تسويق الوهم التحديثي، ومصارحة السوريين بأن إعادة الإعمار المالي تبدأ بخطوات صغيرة وصادقة، وليس بقفزات في الفراغ.

لقد آن الأوان للتوقف عن هزيمة السوريين من الداخل، قبل فوات الأوان.

إن طريق إعادة بناء الاقتصاد لا يمر عبر المؤتمرات والاستراتيجيات فحسب، بل عبر المصارحة والمصالحة مع الذات أولاً.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني