
نحو برلمان يوازن بين التمثيل والخبرة المؤسسية
كيف يمكن إعادة تصميم البرلمان السوري؟
فكرة الغرفتين: إعادة توزيع المهام لا توزيع النفوذ
إذا كانت المشكلة تنبع من جمع مهمتين متعارضتين في مؤسسة واحدة، فإن المنطق الدستوري يدعو إلى توزيعهما بين مؤسستين مختلفتين. ومن هنا تنطلق فكرة البرلمان ذي الغرفتين.
ولا يعني ذلك استيراد نموذج جاهز من الخارج، إذ تختلف أنظمة المجلسين اختلافاً واسعاً بين الدول. المقصود هو الاستفادة من مبدأ أساسي: توزيع المهام بين مؤسستين تتكاملان، بدلاً من أن تتحمل مؤسسة واحدة أعباءً متناقضة.
ببساطة: يبقى المجلس أو البرلمان الغرفة التشريعية الأولى، ويُنتخب أعضاؤه مباشرة على أساس المواطنة الفردية والبرامج السياسية والتنموية.
أما الغرفة الثانية، فتقوم عضويتها أساساً على التمثيل المهني والمؤسسي: النقابات، والجامعات، والغرف الاقتصادية، والهيئات المتخصصة. كما تفسح مجالاً لمؤسسات الوساطة المجتمعية والسلم الأهلي، بما فيها الأطر الاجتماعية المحلية التي تؤدي أدواراً فعلية في حل النزاعات وبناء التوافقات.
فالبنى الاجتماعية في المجتمعات الخارجة من النزاع لا تختفي بمجرد تجاهلها في النصوص القانونية، بل تبقى فاعلاً مؤثراً في الاستقرار المحلي. والتحدي ليس منح أصحاب النفوذ مقاعد دستورية، بل نقل وظائف الوساطة المجتمعية الفعلية من القنوات الشخصية وغير الرسمية إلى أطر مؤسسية قابلة للضبط والمساءلة.
شرعيتان مختلفتان.. داخل دولة واحدة
لا تكمن قيمة نظام الغرفتين في وجود قاعتين للبرلمان، بل في اختلاف قاعدة الشرعية التي تستند إليها كل غرفة.
تستمد الغرفة الأولى شرعيتها من المواطن بوصفه ناخباً فردياً متساوياً، وتمثل الإرادة السياسية العامة. أما الغرفة الثانية، فتستمد شرعيتها من المؤسسات الوسيطة التي ينظم المواطنون من خلالها مصالحهم المهنية والاقتصادية والمجتمعية، وتراجع أثر التشريعات في البنى المؤسسية والاجتماعية للدولة.
الأولى تمثل المواطن في المجال السياسي العام، والثانية تعكس المؤسسات والوظائف التي ينتظم من خلالها المجتمع. والاختلاف بين قاعدتي الشرعية ليس ازدواجاً في السيادة، بل توزيع مؤسسي للمهام داخل دولة واحدة.
ماذا تعلمنا من تجارب المنطقة؟
تكشف تجارب المنطقة أن عبارة «الغرفة الثانية» تخفي نماذج مختلفة في التكوين والوظيفة. ففي الأردن، يبرز الفصل بين البنية التشريعية وبعض مسارات إدارة الاعتبارات الاجتماعية المحلية، وإن اختلفت آلياته عن المقترح هنا. أما المغرب، فيقدم نموذجاً لغرفة ثانية تقوم على تمثيل غير مباشر ومتعدد القواعد، يجمع بين التمثيل الترابي والمهني والاقتصادي والاجتماعي. وفي مصر، يؤدي مجلس الشيوخ دوراً في الدراسة وإبداء الرأي في نطاق من المسائل المحددة دستورياً.
المقصود ليس استنساخ أي نموذج، بل استخلاص درس أساسي: الغرفة الثانية لا ينبغي أن تكون نسخة أخرى من الغرفة الأولى. فإذا مثّلت القواعد نفسها وتنافست على الصلاحيات نفسها، فلن نكون أمام توزيع للمهام، بل أمام مضاعفة للتنافس المؤسسي.
كيف نحمي الغرفة الثانية من الاحتكار؟
هنا يكمن السؤال الأصعب. فإذا احتكرت جهة تنفيذية واحدة اختيار الأعضاء، فلن نكون قد عالجنا احتكار النفوذ، بل نقلناه إلى المؤسسة الدستورية.
لذلك، ينبغي أن يقوم تشكيل الغرفة الثانية على تعدد مصادر الترشيح والانتخاب. تتولى هيئة مستقلة، تُشكّل من مصادر متعددة كالقضاء والتعليم العالي والمجتمع المدني، التحقق من الأهلية ونزاهة الإجراءات، بينما يُحسم الفوز بالمقاعد عبر انتخابات داخل النقابات والغرف المهنية والمؤسسات المعنية.
لكن نجاح النموذج يظل مشروطاً باستقلال هذه المؤسسات نفسها؛ فلا يمكن بناء غرفة مستقلة على نقابات خاضعة أو مؤسسات وسيطة مغلقة. فبناء غرفة ثانية مستقلة يبدأ من وجود مؤسسات وسيطة مستقلة وقابلة للمساءلة.
مراجعة مؤسسية.. لا فيتو سياسي
يبقى السؤال الأكثر حساسية: إذا امتلكت الغرفة الثانية سلطة تعطيل القوانين، ألا تتحول إلى مصدر للشلل؟ وإذا اقتصر دورها على رأي استشاري، فما الذي يجعلها غرفة برلمانية أصلاً؟
يمكن تجاوز هذه الثنائية بمنحها حق المراجعة الإلزامية والتأخير التشريعي المحدود في قضايا يحددها الدستور، مثل الملكية العقارية والأوقاف والأحوال الشخصية والتشريعات المهنية والخطط التنموية الكبرى.
يُحال مشروع القانون إليها إلزامياً، ويكون لها، خلال مدة محددة، حق إعادته إلى مجلس الشعب مرة واحدة، مرفقاً بملاحظات معللة وعلنية. وبعد ذلك يستطيع مجلس الشعب إقراره مجدداً وفق أغلبية يحددها الدستور.
هكذا، لا تملك الغرفة الثانية فيتو يوقف الدولة، لكنها لا تتحول أيضاً إلى مجلس استشاري يمكن تجاهله. قوتها في فرض مراجعة ثانية وجعل تجاهل الاعتراض المؤسسي أكثر كلفة ووضوحاً أمام الرأي العام.
ليست فدرالية ولا محاصصة.. بل تصميم وطني
هل يمهد هذا التصور لمحاصصة طائفية أو إثنية؟ الجواب: لا، لأن المقترح يقوم على معيار وظيفي ومؤسسي موحد، لا على توزيع المقاعد بين الهويات. كما أنه لا يرتبط تلقائياً باللامركزية، فهي مسألة دستورية منفصلة.
وليست الغرفة المقترحة مجلس أعيان تقليدياً؛ فمجرد كون شخص ما شيخ عشيرة أو رجل أعمال نافذاً أو شخصية معروفة لا يمنحه مقعداً. المعيار هو وجود قاعدة تمثيل مؤسسية أو وظيفة وساطة مجتمعية فعلية، وفق شروط معلنة وآليات اختيار قابلة للمراجعة.
المطلوب ليس دسترة النفوذ الاجتماعي، بل تنظيم القنوات التي تسمح بمساءلة أثره.
نافذة تاريخية لا تتكرر
لا يوجد تصميم دستوري خالٍ من المخاطر. فقد تحتكر الغرفة الثانية نخب مهنية مغلقة، أو تدّعي جهات تمثيل المجتمع من دون قاعدة حقيقية. لكن هذه المخاطر تُعالج بقواعد عضوية شفافة، وانتخابات داخلية نزيهة، وتحديد دقيق للاختصاصات.
الدساتير لا تُقاس بعدد موادها، بل بقدرتها على توزيع السلطة بين مؤسسات تؤدي أدواراً واضحة. فالبرلمانات الناجحة لا تقوم على افتراض أن النواب سيكونون دائماً الأفضل، وإنما على تصميم مؤسسي يقلل أثر أخطاء الأفراد.
والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كتابة أي دستور ليس: من يفوز بالمقاعد؟ بل: أي نوع من البرلمانات نريد أن يجلس فيه السوريون غداً؟
سوريا اليوم تملك نافذة نادرة لطرح هذا السؤال قبل أن يتحول تصميم السلطة التشريعية إلى أمر واقع يصعب تعديله. فالبرلمانات لا تنجح لأن أعضاءها أفضل، بل لأنها صُممت بحيث لا يُطلب من مؤسسة واحدة أن تمثل كل شيء وتؤدي كل شيء.