
السلطة التشريعية بين التطور والجمود
الإصلاح الاقتصادي محرك التنمية والتطور
بعد الانتقال إلى مرحلة جديدة من تاريخ سورية، يقف أعضاء مجلس الشعب اليوم على مفترق طرق لا يتكرر إلا نادراً. دمشق التي نهضت من تحت الأنقاض لا تطلب خطباً بلاغية ولا وعوداً مؤجلة، بل تطلب فعلاً تشريعياً يعيد تعريف علاقة الدولة بالاقتصاد، وينتقل بها من منطق الإدارة إلى منطق الحوكمة.
إن المجلس في دورته الجديدة لا يمثل مؤسسة تشريعية في زمن اعتيادي، بل هيئة ترسم ملامح مرحلة ما بعد الحرب، ما بعد الدمار والأسى والحرمان. هذه المرحلة لن تُقاس بعدد القوانين التي تُقر، بل بقدرتها على تحفيز الإنتاج، وكبح التضخم، واستعادة الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
المطلوب هو حزمة تشريعية استثنائية، لا تكتفي بمعالجة الأعراض، بل تعيد هيكلة البيئة المالية والقانونية من جذورها، لتكون منطلقاً لاقتصاد متوازن ومستدام.
1- إصلاح المنظومة الضريبية
في مقدمة الأولويات يأتي إصلاح المنظومة الضريبية، ليس كأداة لزيادة إيرادات الدولة فقط، بل كآلية لإعادة توزيع الأعباء بشكل عادل وتحفيز النشاط الاقتصادي. لا يمكن لاقتصاد منهك أن ينهض تحت وطأة ضرائب تثقل كاهل المشاريع الصغيرة، التي تشكل العمود الفقري للتوظيف والإنتاج المحلي.
تخفيض الأعباء الضريبية عن هذه المشاريع ليس تنازلاً، بل استثمار في توسيع القاعدة الإنتاجية. وفي المقابل، يجب أن يقترن هذا التخفيف بتوسيع المظلة الضريبية لتشمل القطاعات غير الرسمية التي تتهرب من الالتزام، عبر نظام حوافز يشجع على الانضمام الطوعي، وعقوبات رادعة تمنع استمرار التهرب.
هذا التوازن بين التخفيف والرقابة هو ما سيخلق سوقاً أكثر عدالة، ويعيد الثقة إلى الملتزمين، ويوقف نزيف الموارد العامة.
2- إعادة هيكلة الإنفاق الحكومي
التعديلات الضريبية وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع إعادة هيكلة جذرية للإنفاق الحكومي. فالدعم الحكومي في صورته الراهنة، الموزع بشكل عشوائي دون معايير دقيقة، يستهلك نسباً كبيرة من الموازنة دون أن يصل إلى مستحقيه الفعليين، كما يُضعف الحافز للإنتاج ويُشوه الأسعار.
التحول نحو نظام دعم موجه يعتمد على بيانات دقيقة وآليات صرف محكمة هو خيار صعب ولكنه ضروري لترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد نحو الاستثمارات الحقيقية. ويتطلب هذا التحول جرأة تشريعية لتجريد القرارات الاقتصادية من حساباتها الانتخابية الضيقة، والتركيز على بناء شبكة أمان حقيقية للفقراء، لا على إرضاء الأنفس التي تعيش على الريع.
3- تحفيز الاستثمار وإعادة الإعمار
تتطلب مرحلة إعادة الإعمار تحفيزاً جريئاً للاستثمار، يتجاوز مجرد الإعفاءات إلى إعادة بناء بيئة قانونية جاذبة. المستثمر، سواء كان محلياً عاد من دول الاغتراب أو أجنبياً يراقب المشهد عن كثب، لا يبحث فقط عن حوافز مالية، بل عن منظومة قانونية مستقرة تحمي حقوقه وتضمن عدم تعرض استثماراته لتقلبات السلطة أو تداخل الصلاحيات.
إن تعزيز سيادة القانون الاقتصادي، وضمان حماية الملكية الخاصة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، هي الأسس التي تُبنى عليها أي حوافز أخرى. كما أن دعم القطاعات الإنتاجية، من زراعة إلى صناعة، يجب أن يكون مشروطاً بخطط قابلة للقياس، ويعتمد على معايير واضحة، بعيداً عن المحسوبية أو التوزيع الانتقائي.
إضافة إلى ذلك، تأتي تشريعات الطاقة المتجددة كضرورة أمنية واقتصادية في بلد يعاني أزمة كهرباء مزمنة، ويمكن لهذه التشريعات أن تفتح آفاقاً جديدة للاستثمار وتخفف الضغط على الموازنة العامة.
4- السياسة النقدية واستقلالية المصرف المركزي
يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً في السياسة النقدية: كيف يمكن ضبط التضخم واستعادة قيمة العملة الوطنية دون الارتهان لسياسات خارجية؟
الإجابة تكمن في تعزيز استقلالية المصرف المركزي وتجريد قراراته من أي تدخل سياسي، مع تحديد مهامه بوضوح في الحفاظ على استقرار الأسعار ودعم النمو. هذه الاستقلالية ليست ترفاً أكاديمياً، بل شرطاً أساسياً لأي محاولة جادة لكبح جماح التضخم واستعادة الثقة بالعملة المحلية.
بالتوازي، يجب تفعيل الأدوات الرقابية لمكافحة الاحتكار، وحماية الأسواق من الممارسات الاحتكارية التي تستغل الفوضى لفرض أسعارها، وإعادة هيكلة التجارة الخارجية عبر تسهيل الصادرات الإنتاجية وتقييد الاستيراد الكمالي الذي يستنزف العملة الصعبة دون قيمة مضافة.
إقرار هذه السياسات كحزمة متكاملة سيحدث تحولاً بيئياً كاملاً للاقتصاد الوطني، ويرسل إشارة واضحة بأن سورية عازمة على بناء اقتصاد منافس، لا على مجرد إدارة أزمة عابرة.
إن اللحظة الراهنة تمثل اختباراً حقيقياً لجدية المؤسسة التشريعية في مواجهة التحديات الكبرى. الاقتصاد السوري لا يحتاج إلى وعود ترقيعية، بل إلى إصلاحات هيكلية جريئة، قد تكون مؤلمة على المدى القصير، لكنها وحدها القادرة على ضمان تعافٍ حقيقي ومستدام.
الجميع يراقب أداء المجلس الجديد، من صاحب ورشة صغيرة إلى مستثمر كبير، ومن أقصى الشمال في ريف حلب إلى أقصى الجنوب في ريف دمشق، وكلهم ينتظرون أن يثبت مجلس الشعب أنه ليس مجرد واجهة شكلية، بل شريك حقيقي في بناء دولة القانون والمؤسسات.
فلتكن الحزمة التشريعية القادمة هي البداية الفعلية لمسار الإصلاح، ولتكن سورية الجديدة نموذجاً للنهوض من تحت الرماد، لا بالشعارات، بل بقوانين تحمي المواطن وتحرر طاقاته الإنتاجية.