
كيف نبني دولةً قويةً بعد الدمار (3-6)
وصلنا إلى البند الشائك، شديد التعقيد والأهمية ألا وهو:
إعادة البنية التحتية:
الأمور التي تمس حياة الناس بشكل يومي هي التي تصنع الفرق في شعور الناس أن الدولة تتحرك في طريق البناء والإعمار وأنهم جوهر الأولويات لدى دولتهم وبما أن الدولة تعاني من دمار هائل نتيجة ما مر بها في المرحلة السابقة فالأفضل هنا الاعتماد على المساعدات الدولية (غير المشروطة) والاستثمار الخاص (شريطة عدم التحكم في مقدرات الدولة والشعب) ومن أهم ما يجب البدء به هو:
الماء والكهرباء والمستشفيات والمدارس والطرق الرئيسية (يليها الفرعية).
الخطوات الأساسية للنجاح في إعادة البنية التحتية لدولة خرجت من حرب سياسية وطائفية تتلخص في مايلي:
1- الأمان والاستقرار:
مع بقاء الخوف من الآخر في بلد دمرته حرب على خلفيات طائفية وسياسية سنشهد سرقة وتخريب أي مشروع يتم البدء به لذلك يجب إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتكون محايدة مع وقف إطلاق نار حقيقي.
2- إشراك جميع المكونات منذ البداية:
الخطأ الأكبر الذي يمكن أن تقع به السلطة الحاكمة هي تسليم ملف إعادة الإعمار لطرف واحد والحل يكمن في تشكيل لجان إعمار ينتمي أعضاؤها إلى طوائف ومناطق مختلفة وتمتلك صلاحيات الحديث عن العقود والميزانيات بشفافية عالية كي لا يشعر أي طرف بالإقصاء والتهميش ويبدأ الحديث عن المظلومية التي يعاني منها أي طرف من الأطراف.
السرعة في إطلاق مشاريع سريعة الأثر تبني ثقة بالسلطة الحاكمة مع التركيز على المشاريع التي تجمع الناس ببعضهم بعضاً رغم انتماءاتهم المختلفة دون تمييز كالماء والكهرباء والصحة (فالمرض لا ينتقي طائفة معينة ولا طرفاً محدداً).
تنتقل بعدها السلطة إلى إصلاح وتفعيل الطرق والجسور التي تربط المناطق والمكونات ببعضها مع التركيز على دعم وتنشيط التجارة بين بعضهم.
ننتقل عندها إلى ملف الإسكان والمدارس (مع الالتزام بمنهاج يركز على المواطنة والعيش المشترك) مع محاولة إعادة الناس إلى مناطقها الأصلية قبل الحرب إن كان هذا آمنا لهم.
3- الاقتصاد المحلي قبل المشاريع الضخمة:
تشغيل اليد العاملة المحلية هو مصلحة متبادلة بين الناس والسلطة ويمكن في البداية إطلاق مشاريع مهمة مثل (النقد مقابل العمل) للعمل على تنظيف الركام وإصلاح الشوارع وتمديد شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي قبل الإعلان عن الاستثمارات الأجنبية والمشاريع التجارية الضخمة والهدف الحقيقي من هذا البند هو بناء شعور لدى الناس أنهم يبنون بلدهم بأيديهم ويحصلون على دخل جيد بكرامة دون التسول وانتظار المساعدات من المنظمات والجهات الخارجية (مع دراسة إمكانية إطلاق قروض تشاركية بين السلطة والناس).
4- صناعة بنية تحتية اجتماعية:
الإسمنت لا يكفي وحده للشعور بالعدالة وبناء المصالحة إنما يجب إطلاق محاكم محايدة تحاسب المجرمين من كل الأطراف مع التركيز على دعم لجان حقيقة ومصالحة مهمتها (الاستماع للضحايا) كما أن السلطة تستطيع إطلاق مشاريع مختلفة تقوم من خلالها بتسليم العمل لأشخاص من مختلف المكونات يتقاسمون فيها العمل والأرباح.
في النهاية:
بناء القصور والطرق وشراء سيارات فارهة في ظل الحقد الطائفي هو أسرع طريقة للفشل في بناء دولة قوية بينما نستطيع النجاح عندما نبني ثقة بين الناس والسلطة مع تحسين الخدمات ومشاركة جميع الأطراف في العمل (حتى لو كان النجاح بطيئاً).