
بعد سنوات من الوصول، لم يعد السؤال الأساسي بالنسبة لكثير من السوريين في ألمانيا هو كيفية تجاوز مرحلة اللجوء، بل أصبح سؤالاً أكثر ارتباطاً بالحياة اليومية:
هل نجحت تجربة الاندماج؟ وهل استطاعت المؤسسات الألمانية تحويل وجود اللاجئين من حالة استقبال مؤقت إلى مسار حقيقي نحو الاستقرار والمشاركة؟
استناداً إلى خبرته في مرافقة اللاجئين والمهاجرين، ومتابعة طلاب التدريب المهني المزدوج وقضايا التعليم والعمل، يرى بشير علي، المرشد التربوي والباحث في قضايا الهجرة والاندماج، أن التجربة الألمانية تحمل جوانب نجاح واضحة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن فجوات ما زالت بحاجة إلى معالجة.
ويؤكد علي أن ألمانيا استثمرت خلال السنوات الماضية موارد مالية ومؤسساتية كبيرة في ملف الاندماج، ونجحت في بناء شبكة واسعة من الخدمات التي تساعد اللاجئين على بدء حياة جديدة.
فمن دورات تعلم اللغة الألمانية، إلى مراكز الاستشارة، وبرامج التدريب المهني، وخدمات البحث عن عمل، وتعديل الشهادات، وترجمة الوثائق، وتقييم المؤهلات الدراسية والمهنية، تشكلت منظومة متكاملة ساعدت آلاف اللاجئين على الانتقال من مرحلة اللجوء إلى مرحلة الاستقرار.
ويرى علي أن أحد أهم عناصر القوة في التجربة الألمانية يتمثل في هذه البنية المؤسسية، التي وفرت للاجئين أكثر من مسار للاندماج. فاللغة تفتح باب التواصل، والتعليم يفتح آفاق التطور، والتدريب المهني يربط الإنسان بسوق العمل، والعمل يمنحه ليس فقط مصدر دخل، بل أيضاً شعوراً بالاستقلال والانتماء والمشاركة داخل المجتمع.
كما يشير إلى أن اللاجئين الذين حصلوا على الاعتراف القانوني أو أحد أشكال الحماية يتمتعون بحقوق مهمة تقترب في كثير من جوانبها من حقوق المواطنين الألمان، مثل الحق في العمل، والتدريب المهني، والدراسة، والرعاية الصحية، والحصول على المساعدات الاجتماعية. وقد شكلت هذه الحقوق، إلى جانب منظومة الدعم، أساساً ساعد كثيراً من السوريين على بناء مستقبل مهني وتعليمي واجتماعي داخل ألمانيا.
ورغم هذه النجاحات، يرى علي أن التجربة ما زالت تواجه تحديات حقيقية.
فمن أبرز الفجوات التي يلفت إليها تعدد الجهات والمؤسسات التي تقدم الخدمات، وهو ما يجعل بعض اللاجئين يشعرون بالحيرة أمام كثرة الجهات المختصة، فلا يعرفون إلى أين يتوجهون، وما حقوقهم، ومن هي المؤسسة القادرة على مساعدتهم.
ويؤكد أن كثرة المؤسسات لا تكفي وحدها، بل لا بد من وجود توجيه أوضح وربط أفضل بين هذه الجهات، حتى تصبح رحلة اللاجئ داخل النظام الإداري أكثر سهولة ووضوحاً.
كما يستعيد علي تجربة عامي 2015 و2016، حين أدى ارتفاع أعداد الوافدين إلى تأخر البت في طلبات اللجوء، وتأخر التحاق كثيرين بدورات تعلم اللغة، سواء بسبب ضغط الأعداد أو لأن المشاركة فيها خلال فترة دراسة طلب اللجوء كانت محدودة أو مرتبطة بتوفر أماكن شاغرة. وبرأيه، ترك هذا التأخير أثراً مباشراً على مسار الاندماج، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي المفتاح الأول لفهم المجتمع الألماني، ودخول سوق العمل، وبناء العلاقات الاجتماعية.
ويضيف أن تأخر البت في بعض طلبات اللجوء اليوم، بعد التحولات السياسية في سوريا، قد يعيد إنتاج بعض هذه المشكلات إذا لم تتم معالجة الملفات بسرعة ووضوح.
ومن القضايا التي ما تزال تثير نقاشاً واسعاً أيضاً اختلاف الحقوق بين أنواع الحماية المختلفة.
فليس جميع السوريين يحملون الوضع القانوني نفسه، إذ تختلف الحقوق بين من حصل على اللجوء السياسي، أو صفة اللاجئ، أو الحماية الثانوية، أو منع الترحيل، ويظهر هذا التفاوت بصورة خاصة في ملف لمّ الشمل.
ويشير علي إلى أن أصحاب الحماية الثانوية كانوا من أكثر الفئات تأثراً، بعد تعليق لمّ الشمل سابقاً، ثم إعادة تقييده حتى منتصف عام 2027، فضلاً عن أن من حصل على الحماية الثانوية لا يستطيع، في كثير من الحالات، لمّ شمل زوجة تزوجها بعد وصوله إلى ألمانيا، وهو ما يترك آثاراً إنسانية واجتماعية صعبة على كثير من الأسر.
لكن نجاح تجربة الاندماج، بحسب علي، لا يعتمد على الدولة والمؤسسات وحدها، بل تقع على السوريين أنفسهم مسؤولية لا تقل أهمية، لأن الاندماج لا يمكن أن يكون عملية من طرف واحد. فنجاح هذه التجربة يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة واللاجئين، بحيث يقابل الدعم المقدم بالجدية في تعلم اللغة، وفهم القوانين والحقوق والواجبات، والانخراط في الدراسة أو التدريب المهني أو سوق العمل بأسرع وقت ممكن.
ويرى أن اللغة والتعليم والعمل والتدريب المهني ليست فقط أدوات للاندماج، بل تمثل أيضاً الضمان الأقوى للاستقرار القانوني والاجتماعي، حتى إذا شهدت سياسات اللجوء والهجرة تغييرات في المستقبل.
كما يشدد على أهمية دور العاملين في مجالات الإرشاد والمرافقة، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية توعية اللاجئين بحقوقهم وواجباتهم، وتقديم المشورة العملية التي تساعدهم على الانتقال من الاعتماد على المساعدات إلى بناء حياة مستقلة وفاعلة داخل المجتمع الألماني.
وبعد أكثر من عقد على بداية التجربة السورية في ألمانيا، يبدو أن الاندماج لم يعد مشروعاً مؤقتاً، بل أصبح مساراً طويل الأمد تشترك في إنجاحه الدولة، والمؤسسات، والمجتمع، واللاجئون أنفسهم.
السؤال لم يعد فقط: ماذا قدمت ألمانيا للسوريين؟
بل أصبح أيضاً: كيف استطاع السوريون تحويل الفرص التي وفرتها ألمانيا إلى استقرار حقيقي، ومشاركة فاعلة، ومستقبل يبنونه بأيديهم؟