طبق الأصل

0 12

لعبة عيال، قالها الشيخ بعد أن انتهت الانتخابات. سألناه: كيف؟

انفرجت أساريره، وأشرق وجهه، وافترّ ثغره عن ابتسامة كشفت أسناناً صناعية، إنها تعيدني لسنوات ملأتها السعادة حيث لا نهكل همّ الغد، نستغل الدقائق والثواني فيما ينفع، كنا فتياناً يافعين في الصف الأول الثانوي، جمعتنا الألفة وروح الدعابة. شكّلنا جماعة لا تعرف القوميات، ولا الإثنيات والأديان، ربطت بيننا أواصر المحبة، واشتهرنا بمماحكة الرفاق والمدرسين أحياناً. أطلق علينا الأستاذ “معذّى” شلّة “حسب الله”، وبعد أن أجرى انتخابات مجلس الفصل بإشراف المدير رشحنا اثنين منا “زيد ومهند”. وتمّ التصويت وشارك زميلنا “فاضل” في الفرز، يفتح الأوراق ويقرأ اسميهما في معظمها فنالا المركز الأول والثاني، وصرنا زعماء وأصحاب سلطة، ومرّ ذات يوم جمعة فرآنا نغوص في الرمل والحصى والأسمنت نصب بضع درجات لمدخل عمارة؛ فتوقّف وحيّانا، وربّت على أكتافنا: بوركتم… لقمة العيش تتطلب الخشونة “اخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم”. أعجبتنا كثيراً فاتخذناها شعاراً، وتعرضنا بسببها للمساءلة الأمنية ظنّاً أن وراءها تنظيماً ما…

واليوم بعد أن شطّت بنا دروب الحياة؛ فلا نلتقي إلا لماماً في المناسبات النادرة؛ فقد طوينا الأحلام وشخنا، وضعف الجسد، وتعاورت الأمراض مَن لايزال حيّاً، نجلس على الهامش ونجترّ الذكريات، ونرقب ما يجري حولنا، والصورة تتكرّر، وكأنّ الزمن يعيد نفسه، فما أشبه انتخابات برلمانكم الآن بما جرى معنا في غابر أمسنا الدابر، وها أنتم شاهدتم إحجام الناس وهم لم يبادروا إلى الإدلاء بأصواتهم؛ فانزعجت القيادة العليا، وأمرت المشرفين على اللجان بإحضار البطاقات الشخصية لرجال ونساء أحياء المدن وقرى الأرياف والتصويت عنهم للقائمة المعهودة لتفوق نسبة المشاركة 80%. ألا ترون أن مجلس فصلنا الغابر شبّ عن الطوق وكبر ونما فأصبح على امتداد الوطن اتساعاً.

تبادلنا النظرات وشخصت العيون بالجد، صمتت قلّة متسائلة، وضحكت الأكثرية، فتهلّل العجوز ودق الأرض بعصاه.. مهلاً… “إن غداً لناظره قريب”!!.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني