أســـرار..

0 6

شدّني منظره، كان يستند إلى جدار وأمامه سلّة فيها بعض بيضات. آلمتني رؤية طفل مشعّثة فروة رأسه يلتصق به، ويمسك دجاجة حمراء، وعلامات فقر مدقع ترتسم ظلاله على ثيابهما والأحذية المهترئة، وخطوط تجاعيد وجه العجوز تفضح انتهاك الأيام وقسوتها. حطّ رحاله على حافة السوق ينتظر مَن يسأله عن الثمن، والناس تتجاوزه دونما سؤال، وهو ساهم، عيناه تلاحق المارة وتتفرس بالأحذية التي تبتعد، وشفتاه لا تني عن الحركة، ربما يدعو أن يأتيه من حيث لا يعلم مَن يبتاع بضاعته عندما زعقت دراجة نارية قريبة أجفلت الدجاجة؛ فقفزت متحررة من يدي الصبي، وقلبت السلّة وانطلقت تعدو فلحقا بها، وركضا ما بين هرولة رجل متهدم وخفة يافع غاب عن البصر مختفياً وسط الجموع. كفّ الشيخ عن ملاحقتهما وهو يلهث، ويمسح عرقه بطرف منديله، ولمّا عجز عن رؤيتهما عاد إلى مكانه ليجد بيضه وقد تكسّر كلّه. فرك كفاً بكف، وطفر الدمع من محجر مقلتيه، وتساقطت حبّاته على أخاديد وجنته المتغضنة، مسحها بأنامل مرتجفة وهو يلعن حظّه العاثر. تقدّم منه شاب مواسياً يرغب بتعويضه عمّا فقده، وهمّ بتقديم ورقة نقدية تعادل ثمن ما انكسر أو تزيد؛ فشكره بأدب جمّ واعتذر عن قبولها هامساً: يا ولدي رزقنا جميعاً عند علّام الغيوب، وأنت أولى بمالك، ومشى محنيّ الظهر يتوكأ على عصا معوجّة، ويجرجر قدميه بصعوبة عائداً من حيث أتى ويتمتم بكلمات غير مفهومة ذكّرتني بالشاعر الجاهلي “ذو الإصبع العدواني”:

أصبحتُ شيخاً أرى الشّخصين أربعةً.. والشّخصَ شخصين لمّا مسّني الكبرُ

وكنتُ أمشي على رجلين معتدلاً.. فصرتُ أمشي على ما يُنبتُ الشّجرُ

تأوهت أسفاً لحاله.. إنّه الفقر ـ قُبِّح.. كأنّه كائن رخوي كلّما اقْتُطِع منه جزء تجدّد ونما أكثر..

تبعه ذلك الفتى كظلّه، ودفعني الفضول إلى اللحاق بهما علّني أعرف ما وراءهما. مرّ في أزقة الأحياء الشعبية الضيقة والمترّبة، بعضها تعطره مياه الصرف الصحي السطحية. توقّف عند باب يعلوه الصدأ فناداه: يا عمّ.. التفت نحوه.. ماذا تريد؟ ألديك دجاج للبيع؟ لا، وأنعم النظر فيه.. ألست مَن أراد مساعدتي؟ تفضل.. ودلفا إلى الداخل.

درت على عقبي أبتغي الرجوع وإذ بالصبي يتأبط الهاربة فقلت: أتبيعها؟ نعم، تعالَ معي.. ودخلنا فتهلّل العجوز لرؤيتنا. جدّي هذا الرّجل سيشتريها. تناولها منه.. أهلاً وسهلاً وأشار إلى مصطبة عليها حصير.. اجلسا من فضلكما.. عدم المؤاخذة لا نملك كراسي، ونادى: الشاي يا أمّ حمّاد ولم يقبل اعتذارنا، بينما راحت عيناي تدوران متفحصة المكان. كوخ خشبي، وقنّ فيه بضع دجاجات، وفسحة ترابية مسوّرة بأحواض مزروعة بالخضراوات والورود ملاصقة للحيطان.

أقبلت أمّ حمّاد تدبّ كسلحفاة، حافية تتلفّع بمئزر تآكله الزمن وتشوّهت حوافه، تحمل كاسات وإبريقاً تفوح منه رائحة عطريّة تطغى على مظاهر البؤس. رحّبت بنا، وسكبت شايها والبسمة تشرق على مبسمها.

تذوّقنا طعماً لذيذاً ممزوجاً ببشاشة الوجوه، وكرم ضيافة، وبساطة عيش، وسماحة نفس كشفت الستر عن ترف سعادة مخبوءة خلف أبواب صفيح لا يعرفها ملّاك القصور العالية، ولا أصحاب السّيارات الفارهة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني