انتصار..

0 22

تهاويا عصفورين أرداهما صيّاد. هكذا قالها وهو يتحدث عن تلك المواجهة القصيرة بين صديقين. لم يكن حسام يدري أنّه سيواجه أعز صديق لديه بعد طول غياب، لقد عاشا أخوين لا يفترقان إلّا في ساعات النوم؛ فمنذ نعومة أظفارهما أحبّا بعضهما. بدأ ذلك عندما عُيّن أبا منعم معلماً في قريتهم وسكن جاراً لهم. تعارفت الأسرتان، ونما الاثنان، وذهبا معاً إلى المدرسة، وكبر الحلم، ولمّا أنهيا المرحلة الثانوية وجدا نفسيهما على مفترق الدرب. التحق منعم بالكلية الحربية، وحسام بجامعة العلوم والتكنولوجيا؛ فبعدت المسافة بينهما، وامتدّ الزمن، وصعب اللقاء، وتخرّجا ضابطاً ومهندساً، وتشعبت بهما سبل الحياة، وازداد ضنك العيش قسوة، وضاق الناس ذرعاً…، وكبتت النفوس رفضاً لما يجري، وتفشّت على الألسنة بوادر الاحتجاج، وعلت  الأصوات تندّد بالمظالم، وتطالب بعيش كريم، واشتدّت قبضة السلطة، وتسارعت الأحداث، فسيطر الجنود ورجال الأمن على الشوارع ومفاصل الطرقات، ومُنع التظاهر في الساحات، ولعبت أصابع خبيثة خلف الستارة، ودُفعت الأمور نحو الهاوية، فغُيّب العقل، ونامت الضمائر، واستعرت البغضاء في الصدور لتدفن وشائج الأخوة في غياهب الحقد، ولعلع صوت الرصاص؛ فنزف الدم رخيصاً. وللحفاظ على السلطة ارتسمت ملامح مجازر سطّرتها قوى الرعب على الأديم في أماكن عديدة.

وأثناء تجمهر كبير كُلّف العساكر بتفريق حشد المتظاهرين كانت المفاجأة صادمة، وقف كلاهما وجهاً لوجه.. تسمّرا في المكان لثوانٍ، واندفعا للعناق بقوة. شاهدهما جندي فظنّ أنهما يتعاركان، وعلى وضعية رشّاً صوّب المغضوب بندقيته وأطلق رصاصاته، فترنّحا وسقطا متعانقين، ومن تحتهما تسرّب خط أرجواني رسم على الأسفلت دائرة لا تنفصم..

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني