
ودّعني وانطلق، شيّعته عيناي وهو يبتعد ملوّحاً دون أن يلتفت. حجمه يصغر ويتضاءل ثم يتلاشى ويغيب عن النظر. لقاؤنا القصير سراب لم يروِ الظمأ، ولم أشعر كيف تقضّت الدقائق والثواني بصحبته. غادر وفي القلب غصة وسؤال. توالت أسابيع وشهور وسنون وطيفه يلملم شعثها ويتحدّى الزمن ويحاورني..
صباح الخير يا صديقي، أتتذكر تلك الأيام؟ سُقيتَ وإياها خمرة السعادة والهناء. أنا هنا بين جدران أربعة، ونافذة يتسرب منها شعاع نور يتلمّس جفوني الكسلى، ويمسح عن رموشي وشي بقايا غفوة واهنة. يهمس عصفور فيوقظ في النفس صور ماض عشناه بحلاوته ومرارته. أكتب إليك، بعد أن وهن الجسد، وقصرت الخطوات، وصارت النظارة معيناً، والعصا ساقاً ثالثة تسعف للسير بخفة سلحفاة هرمة. هزلت الذاكرة وضعف شحنها فلا تعين على القص، وأحببت أن استرجع بقايا من ثمار ما زالت عالقة بأغصانها.
كتبتَ لي مرة “النسيان نعمة، والتذكّر نقمة” فتساءلتُ كيف يكون نقمة؟ وهل تُنسى أجمل الذكريات وأحلاها؟ وحتّى الصعبة منها تصير، مع مرور الأيام، مشرقة وفكاهة محببة.
هناك في دار المعلمين ـ نظام الصف الخاص ـ التقينا للمرة الأولى ونسجنا خيوط صداقتنا، وافترقنا سنة لتجمعنا الخدمة العسكرية ثانية؛ حيث التدريبات الشاقة على قدم وساق، وتبدأ حكايات جديدة..
المرتب ليرات..، والإجازات بالساعات، والفقر يقتحم المخابئ ويبحث عن بقايا في زواياها ليستهلكها. ونحن نندفع لمواجهته، والتلاعب بما يتبقى من رصيد ضئيل..، أنشأنا جمعية سيجارة، رأس مالها مناصفة: كيس “كلان” فارغ انتهت صلاحيته فتحوّل محفظة لصندوق باكيت اللّفّ وقدّاحة نتوزّع الاحتفاظ بهما، أحدهما لديك، والآخر معي، ولا ندخن إلا مجتمعَين. اتفاق وفّر على نفسينا بعضاً من ضرر التدخين، وجزءَ سعةٍ من ضيق ذات اليد.
أمّا تلك التي لا يمكن أن تُنسى عندما حلّت ذكرى ميلاد الحبيب “ربيع”، قررنا: سنحتفل، وسيكون الاحتفال بهيجاً وسط المهجع مع رفاق السلاح. مازالت تخشخش بقايا قروش في الجيوب، استصرخناها وإذ هي خمسة وأربعون ليس غير. تسلّلنا عبر سياج الشريط الشائك إلى أقرب دكّان وابتعنا “500غ هريسة” وقبصة شاي، وراحة سكر تكفي لإبريق صغير، وشمعة.
في الممر بين الأسرّة تم التحضير، واجتمع المجنّدون، وتحلّقوا حولك. تشبّع الجو بالمسرة، وتغافلوا عن معاناة النهار، ومكابدة التدريب وضنكه، وشعّت الفرحة وطغت..، وعلا التصفيق، وصدحت الحناجر بالغناء “سنة حلوة يا ربيع.. سنة حلوة يا جميل” ثم بدأت الضيافة.. أهلاً بكم.. قطعة الحلاوة بقدر حبّة حمّص يتذوقونها على طرف اللسان، ورشفة من كأس كفاية، ووسط الضحك هجم “الكراكوز” الحمصي فاتحاً شدقه على اتساعه ونهش قضمة ملء فمه فالتصق الفتات بشفتيه. تعالت القهقهة، ودوّت جلبة الصخب وتسرّبت إلى مبنى القيادة؛ فقدم الضابط “م. معروف” مهدداً ومتوعداً.
عمّ الهدوء.. التزمنا أماكننا وساد الصمت. على الأرض بقايا آثار فضحت الجريمة، ومقطباً سأل مَن فعلها؟ بلعنا لعابنا، العقوبة جماعية، والحصى والشوك ينتظروننا..، أشارت الأصابع إليك فصرخ إلى السجن..، وأنت تلفّ البطانية متمهلاً؛ كنّا نكبت ضحكة انفجرت حال انصكّ الباب خلفكما، وأسرع كلّ إلى سريره..
ظننت النسيان طواها يا “أبا الربيع”[1]، وخبّأها في صناديق مركونة بالزوايا المعتمة؛ لأكتشف الساعة أنّها قد كُتبت بألوان قوس قزح على صفحة الذاكرة.
[1]– الصديق عبد الكريم ناصر