من الشح المائي إلى التوازن: كيف تستعيد سوريا أمنها المائي

0 1

نحو استراتيجية وطنية جديدة لإدارة الموارد تجمع بين الحوكمة الرشيدة وتحديث الري وحصاد الأمطار والتحلية

لم تعد أزمة المياه في سوريا مجرد مشكلة موسمية ترتبط بتراجع الأمطار أو انخفاض مناسيب الأنهار والسدود بل تحولت إلى أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تهدد مستقبل البلاد الاقتصادي والاجتماعي والغذائي. فالمياه لم تعد قضية خدماتية تتعلق بتأمين مياه الشرب فحسب وإنما أصبحت قضية أمن وطني ترتبط بالزراعة والطاقة والصناعة والاستقرار المجتمعي وقدرة الدولة على إعادة بناء اقتصادها.

ورغم امتلاك سوريا موارد مائية متنوعة تشمل الأنهار والمياه الجوفية والأمطار والسدود فإنها تواجه شحاً متزايداً نتيجة تداخل عوامل عديدة أبرزها التغير المناخي وتراجع الهطولات المطرية وارتفاع درجات الحرارة والاستنزاف غير المنظم للمياه الجوفية وتضرر البنية التحتية خلال سنوات الحرب فضلاً عن التحديات المرتبطة بالأنهار المشتركة مع دول الجوار. وقد بات نصيب الفرد من المياه المتاحة يتراجع إلى مستويات مقلقة، ما يستدعي إعادة النظر جذرياً في طريقة إدارة هذا المورد الحيوي.

الحوكمة أولاً: من إدارة الموارد إلى إدارة الأزمة

إن الخروج من الأزمة لا يبدأ ببناء السدود أو إنشاء محطات التحلية فقط، بل بإعادة بناء منظومة الإدارة المائية. فسوريا تحتاج إلى حوكمة جديدة تقوم على توحيد القرار المائي وتنسيق عمل المؤسسات المعنية بالمياه والزراعة والطاقة والبيئة ووضع ميزان مائي وطني يحدد الموارد المتاحة ومعدلات الاستهلاك والتجدد.

كما يتطلب الأمر حصر الآبار وتنظيم استخراج المياه الجوفية ومراقبة الاستهلاك، وتحديث قواعد البيانات والاستفادة من الأقمار الصناعية والتقنيات الرقمية في متابعة الموارد. والأهم أن تصبح إدارة المياه جزءاً من التخطيط الاقتصادي والزراعي لا مجرد ملف إداري منفصل.

حصاد الأمطار والسدود الصغيرة في البادية

تمتلك سوريا فرصاً مهمة للاستفادة من مياه الأمطار والسيول التي تضيع كميات كبيرة منها دون استثمار. ويمكن إنشاء شبكة من السدود الصغيرة والمتوسطة والحواجز الترابية والبحيرات الاصطناعية في المواقع المناسبة، ولا سيما في مناطق البادية والأحواض الداخلية بهدف تخزين المياه ودعم المراعي والتغذية الجوفية.

لكن نجاح هذه المشاريع يتطلب دراسات هيدرولوجية دقيقة تراعي طبيعة التربة ومعدلات التبخر والتسرب. وفي بعض المناطق قد تكون تغذية المياه الجوفية من خلال منشآت تسريب مدروسة أكثر جدوى من تخزين المياه في بحيرات مكشوفة.

تحديث الزراعة هو المدخل الأهم

بما أن الزراعة تستهلك الحصة الأكبر من المياه في سوريا فإن إصلاح هذا القطاع يمثل المفتاح الأساسي لتخفيف العجز المائي. والمطلوب التوسع في الري بالتنقيط والرش الحديث واستخدام أجهزة قياس رطوبة التربة وأنظمة التحكم الذكية لتحديد احتياجات المحاصيل بدقة.

كما ينبغي إعادة النظر في الخريطة الزراعية وتشجيع المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه والأكثر تحملاً للجفاف وربط الدعم الزراعي بكفاءة استخدام المياه. فالهدف ليس تقليص الإنتاج الزراعي بل تحقيق إنتاج أكبر وقيمة اقتصادية أعلى من كل متر مكعب من المياه.

المياه المعالجة والتحلية: موارد لابدّ من استثمارها

تمثل معالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها فرصة مهمة لتخفيف الضغط على المياه العذبة. ويمكن توظيف المياه المعالجة وفق المعايير الصحية والبيئية في ري الأشجار والمحاصيل العلفية وبعض الاستخدامات الصناعية والخدمية بعد إعادة تأهيل محطات المعالجة وإنشاء محطات جديدة.

أما تحلية مياه البحر المتوسط فهي خيار استراتيجي يمكن أن يدعم احتياجات المدن الساحلية ومياه الشرب والصناعة. لكن ارتفاع تكاليف الإنشاء والتشغيل والطاقة وصعوبة نقل المياه المحلاة إلى المناطق الداخلية يجعل من الضروري التعامل معها باعتبارها جزءاً من منظومة متكاملة لا حلاً وحيداً للأزمة. ويمكن تحسين جدواها من خلال استخدام الطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة.

المياه الجوفية والدبلوماسية الإقليمية

لا يمكن تحقيق الأمن المائي دون حماية الأحواض الجوفية من الاستنزاف، من خلال تنظيم حفر الآبار وتحديد معدلات السحب الآمن وتشجيع التغذية الاصطناعية في المواقع الملائمة.

كذلك لا تستطيع سوريا معالجة أزمتها بمعزل عن محيطها الإقليمي نظراً لاعتمادها على أنهار مشتركة وفي مقدمتها الفرات ودجلة وروافدهما. وهذا يستدعي دبلوماسية مائية فاعلة تقوم على التفاوض الفني والقانوني وتبادل البيانات، وضمان تدفقات مائية عادلة ومنتظمة وبناء آليات تعاون مع دول الجوار لمواجهة الجفاف والتغير المناخي.

نحو استراتيجية وطنية قابلة للتنفيذ

إن المطلوب إطلاق استراتيجية مائية وطنية تتوزع على مراحل تبدأ بإصلاح شبكات مياه الشرب والري وإعادة تأهيل المحطات والسدود ثم التوسع في تقنيات الري الحديث وحصاد الأمطار ومعالجة المياه وصولاً إلى مشاريع التحلية والتخطيط الذكي للأحواض المائية.

إن الانتقال من الشح إلى التوازن المائي في سوريا ليس أمراً مستحيلاً لكنه يتطلب تغييراً في طريقة التفكير قبل تغيير المنشآت والتجهيزات. فبناء السدود وتحلية البحر وتحديث الري لن تحقق نتائجها ما لم تندرج ضمن سياسة موحدة تقوم على العلم والشفافية والمساءلة والاستدامة.

إن معركة سوريا المائية ليست معركة البحث عن مصادر جديدة للمياه فقط، بل معركة إدارة كل قطرة متاحة بكفاءة وعدالة. فالأمن المائي لا يعني وفرة مطلقة في بلد محدود الموارد وإنما تحقيق توازن مستدام بين الإمكانات والاحتياجات بما يضمن حق المواطنين في المياه ويحمي الزراعة والاقتصاد ويصون حقوق الأجيال القادمة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني