المهندس عبدالرزاق العليوي لـ «نينار برس»: «أزمة المياه في سورية ليست وليدة الجفاف وحده، بل نتيجة عقود من الاستنزاف وسوء الإدارة»

0 1

تواجه سورية واحدة من أخطر أزماتها المائية في تاريخها الحديث، في ظل تراجع الموارد المائية، وتزايد آثار التغير المناخي، وتدمير البنية التحتية خلال سنوات الحرب، إلى جانب الاستنزاف الجائر للمياه الجوفية والتوسع الزراعي غير المدروس.

وفي هذا الحوار، يتناول المهندس عبدالرزاق العليوي، خبير السدود والموارد المائية، أبرز التحديات التي تواجه قطاع المياه السوري، ويطرح رؤية استراتيجية لإعادة بناء الأمن المائي وتحقيق التنمية المستدامة

السؤال الأول: كيف تصفون واقع الأمن المائي في سورية اليوم؟

المهندس عبدالرزاق العليوي:

سورية تعيش أزمة فقر مائي مزمنة منذ أكثر من ثلاثة عقود، ولم تعد المشكلة مقتصرة على الجفاف وتغير المناخ، بل أصبحت نتيجة تراكمية لسوء الإدارة المائية، والاستنزاف الجائر للمياه الجوفية، والتوسع الزراعي غير المدروس.

وتشير بيانات البنك الدولي لعام 2026 إلى انخفاض نصيب الفرد من المياه المتاحة إلى أقل من 700 متر مكعب سنوياً، وهو مستوى يعكس خطورة الوضع المائي.

إن سورية لم تستنزف مياهها السطحية فحسب، بل استنزفت أيضاً مخزونها الجوفي، الذي يمثل احتياطياً استراتيجياً بالغ الأهمية لمواجهة سنوات الجفاف.

السؤال الثاني: ما أبرز آثار الحرب على قطاع المياه، وكيف يمكن إعادة إعمار هذا القطاع؟

المهندس العليوي:

تسببت سنوات الحرب في تدمير واسع للسدود ومحطات الضخ والمعالجة وشبكات مياه الشرب والصرف الصحي والري.

ووفقاً للبنك الدولي، تراجعت إمدادات المياه بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وتعرضت نسبة كبيرة من البنية التحتية المائية لأضرار جسيمة.

إعادة الإعمار يجب أن تعتمد على التمويل الدولي والمنح والشراكات التنموية، مع إعطاء الأولوية لمياه الشرب وإعادة تأهيل السدود وشبكات الري.

المياه حق أساسي، ولا يجوز تحميل المواطن السوري فاتورة الدمار الذي لم يكن مسؤولاً عنه.

السؤال الثالث: ما خطورة الحفر الجائر للآبار على مستقبل سورية؟

المهندس العليوي:

الحفر العشوائي والجائر للآبار يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الأمن المائي السوري.

وقد أظهرت دراسة علمية منشورة عام 2024 في مجلة Water أن عدد آبار الري في مناطق الدراسة شمال غرب سورية ارتفع بنسبة 107% بعد عام 2011، من 8,173 إلى 16,932 بئراً.

كما أفاد 95% من المشاركين بانخفاض مناسيب المياه الجوفية، وأشار 76% إلى تفاقم مشكلة نقص المياه.

هذه الأرقام تؤكد أن استمرار الضخ دون ضوابط علمية يؤدي إلى استنزاف المخزون الجوفي، وجفاف الينابيع، وارتفاع تكاليف استخراج المياه.

المطلوب هو تنظيم حفر الآبار، وتحديد معدلات الضخ وفق الميزان المائي لكل حوض، وإجراء مسح وطني شامل للمياه الجوفية.

السؤال الرابع: هل تتحمل السياسات الزراعية جزءاً من مسؤولية الأزمة المائية؟

المهندس العليوي:

بالتأكيد، لقد أسهم التوسع في الزراعة المروية، وخاصة زراعة المحاصيل المستهلكة للمياه مثل القطن، في استنزاف الموارد المائية في مناطق تعاني أصلاً من الفقر المائي.

وتشير دراسة منشورة في Journal of Hydrology عام 2014 إلى أن السياسات الزراعية ودعم الوقود وأسعار شراء المحاصيل أسهمت في تشجيع الضخ الجائر للمياه الجوفية.

إن المطلوب ليس التخلي عن الزراعة، بل إصلاح السياسة الزراعية، والانتقال إلى محاصيل ذات قيمة اقتصادية أعلى واستهلاك مائي أقل، واعتماد مفهوم الإنتاجية المائية، أي تحقيق أعلى قيمة اقتصادية من كل متر مكعب من المياه.

السؤال الخامس: ما المشاريع الاستراتيجية التي تقترحونها لتعزيز الأمن المائي؟

المهندس العليوي:

أقترح إطلاق برنامج وطني تحت عنوان «سورية للأمن المائي والتنمية المستدامة»، يرتكز على خمسة محاور:

1. إجراء مسح وطني شامل للموارد المائية السطحية والجوفية.

2. إعادة تأهيل السدود وشبكات الري ومحطات مياه الشرب.

3. إنشاء سدود سطحية وحواجز مائية لحصاد الأمطار والسيول في البادية السورية.

4. تنظيم استخراج المياه الجوفية وإصلاح السياسة الزراعية.

5. تطوير منظومة الإنذار المبكر بالجفاف والسيول وتعزيز التعاون المائي الإقليمي.

كما أن دراسة إمكانية إنشاء سد حلبية وزلبية على نهر الفرات غرب دير الزور يستحق اهتماماً جدياً، لما قد يوفره من فرص لتوسيع الرقعة الزراعية وتطوير الإنتاج الحيواني، شريطة إجراء دراسات هيدرولوجية واقتصادية وبيئية متكاملة.

السؤال السادس: كيف يمكن ضمان سلامة مياه الشرب للسكان؟

المهندس العليوي:

لا يمكن الجزم بسلامة المياه في جميع المناطق دون إجراء تحاليل مخبرية دورية.

فقد تكون المياه سليمة عند خروجها من محطة المعالجة، لكنها تتعرض للتلوث أثناء انتقالها عبر الشبكات المتضررة.

لذلك، يجب إعادة تأهيل المحطات، وتوفير الطاقة اللازمة لتشغيلها، وتفعيل الرقابة الصحية والمخبرية المستقلة، ومراقبة جودة المياه من المصدر إلى المستهلك وفق معايير منظمة الصحة العالمية.

السؤال السابع: ما رسالتكم للحكومة السورية وللمجتمع الدولي؟

المهندس العليوي:

رسالتي واضحة: لا يمكن إعادة بناء سورية دون إعادة بناء أمنها المائي.

أدعو الحكومة السورية إلى وضع المياه في مقدمة أولويات التخطيط الوطني، وإطلاق استراتيجية متكاملة لإدارة الموارد المائية، تعتمد على العلم والبيانات والدراسات الهيدرولوجية.

كما أدعو المجتمع الدولي والمؤسسات التنموية إلى دعم مشاريع المياه باعتبارها استثماراً في الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد تمويل للبنية التحتية.

إن حماية المياه اليوم تعني حماية مستقبل سورية وأجيالها القادمة.

– المهندس عبدالرزاق العليوي

– خبير السدود والموارد المائية

– دبلوم في سياسية وإدارة الموارد المائية

– دبلوم في القانون الدولي للمياه

– ماجستير في السدود و إدارة الموارد المائية والتنمية المستدامة

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني