سورية ليست على مقاس أحد.. من الجوع إلى السلطة إلى محاولة إعادة تشكيل المجتمع

0 13

ليس أخطر ما تواجهه دولة خرجت من حرب مدمرة أن تصل إلى السلطة فيها جماعة تحمل مشروعاً عقائدياً خاصاً، وإنما أن تتصرف كما لو أن وصولها إلى الحكم منحها الحق في إعادة تعريف الدولة والمجتمع على صورتها. فثمة فارق جوهري بين جماعة تدير الدولة ضمن قواعد تحمي تعدد المجتمع، وأخرى تتعامل مع السلطة بوصفها فرصة لإخضاعه لتصوراتها عن الدين، والأخلاق، والثقافة، والسياسة.

هذه هي المسألة التي تواجه سورية اليوم، بعد انتهاء حقبة الاستبداد ووصول سلطة خرجت من رحم حركة إسلامية جهادية. وليس في ذلك حكم مسبق بأنها ستبقى أسيرة إرثها، فالحركات السياسية تستطيع مراجعة أفكارها، لكن الانتقال إلى إدارة الدولة لا يتحقق بتغيير الخطاب والأزياء أو إقامة علاقات دبلوماسية، وإنما بتحول حقيقي في مفهوم السلطة وحدودها، والاعتراف بأن المجتمع ليس امتداداً للتنظيم، والدولة ليست ملكاً له.

في مقال سابق بعنوان “الجوع إلى السلطة”، تناولت اندفاع الحركات الإسلامية السياسية نحو الحكم والفجوة بين تكوينها ومتطلبات إدارة الدولة الحديثة. غير أن التجربة السورية تطرح سؤالاً أبعد: هل تسعى السلطة إلى إدارة مجتمع قائم بتعدده، أم إعادة تشكيله وفق صورة مسبقة؟ عندئذ يصبح الاستحواذ على السلطة وسيلة لفرض منظومة فكرية وثقافية وسياسية، وإعادة تشكيل المجتمع وسيلة لضمان استمرار احتكارها.

ولعل التعديلات التي أثيرت مؤخراً بشأن المناهج التعليمية تقدم مثالاً يستحق التوقف عنده. فقد أظهرت مقارنات منشورة تعديلات طالت صور النساء والأعمال الفنية، وحذف موضوعات تتعلق بالمواطنة والمشاركة الديمقراطية والإدارة المحلية. ومع ضرورة التحقق من نطاقها ومسؤولية إقرارها، يبقى السؤال: من يملك حق تحديد الصورة التي ينبغي أن يرى الطفل السوري من خلالها مجتمعه؟ فالمناهج أداة لتشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي. ولا تكفي هذه التعديلات لإثبات وجود خطة مركزية لإعادة تشكيل المجتمع، لكنها تستوجب مساءلة الجهات المسؤولة عن معاييرها وحدود تدخل قناعاتها الخاصة في المؤسسات العامة.

ولا يقتصر الأمر على التعليم. فحين تتكرر محاولات إخضاع الفضاء العام لمعايير دينية أو أخلاقية خاصة، ينبغي النظر إليها مجتمعة، مع التمييز بين القرارات الرسمية وتصرفات المسؤولين ومواقف أنصار السلطة. وليس الاعتراض على التدين أو الحجاب أو حق الجماعات في تبني منظوماتها الأخلاقية، وإنما على تحويل قناعات الحاكم إلى مرجعية مفروضة باستخدام مؤسسات الدولة.

فسورية ليست مجتمعاً ينتظر من يمنحه هويته، ولا مادة خاماً يعيد المنتصرون تشكيلها. إنها مجتمع تاريخي تشكل عبر قرون من التفاعل بين جماعات دينية وإثنية وثقافية واجتماعية متعددة، بتنوع يمتد إلى داخل الجماعة الواحدة. ولم يكن سقوط النظام السابق تفويضاً باستبدال صورة مفروضة بأخرى، وإنما فرصة لتحرير الدولة من احتكار أي جماعة.

وتتجلى المشكلة أيضاً في تنظيم الحياة السياسية. فحين تنفرد السلطة بتحديد شروط العمل الحزبي ومواعيد الانتخابات وطبيعة المؤسسات المقبلة على سبيل المثال، فإنها تحتفظ بحق رسم حدود المجال السياسي. فالانتصار قد يفسر كيف وصلت الجماعة إلى الحكم، لكنه لا يمنحها حق تقرير المستقبل نيابة عن السوريين.

ومن أخطر مظاهر هذا الاتجاه اختزال السوريين في معسكرين: “الفلول” والجماعات الإسلامية. فالمعارضة السورية لم تكن حكراً على الإسلاميين، بل شاركت فيها قوى ديمقراطية ويسارية وليبرالية ووطنية ومستقلون دفعوا أثماناً باهظة في مواجهة الاستبداد. وهذه الثنائية تحوّل معارضة السلطة الحالية إلى شبهة ولاء للنظام السابق، وتمنح المنتصر حق احتكار تمثيل الثورة وإعادة صياغة ذاكرتها السياسية تمهيداً لإقصاء شركائه من المستقبل.

وإذا كانت الجماعات الإسلامية قد تعرضت للقمع شأنها شأن سائر القوى الوطنية، فإن الاضطهاد السابق لا يؤسس لامتياز لاحق، ولا تتحول التضحيات إلى صك ملكية للسلطة. فالخلاص من الاستبداد كان مطلباً وطنياً مشتركاً، لا انتصاراً يستحق أصحابه مكافأة تُقتطع من حقوق الآخرين.

ولا يعني ذلك تجاهل الصعوبات الأمنية والمؤسسية التي تعترض إجراء انتخابات حرة، لكن الاعتراف بها شيء، وتحويلها إلى تفويض مفتوح للسلطة شيء آخر. فالاختبار الديمقراطي ليس السماح بتأسيس أحزاب، وإنما قبول أحزاب مستقلة تستطيع معارضة السلطة ومنافستها والفوز عليها وتولي الحكم بدلاً منها.

والأصل أن السلطة القائمة “سلطة ائتمانية مؤقتة”، لا سلطة تأسيسية تمتلك حق تقرير مستقبل الدولة والمجتمع. مهمتها إدارة الشؤون العامة وتهيئة الظروف التي تتيح للسوريين إعادة إنتاج توافقهم الوطني، وصياغة عقدهم الاجتماعي ودستورهم، وإعادة هيكلة مؤسسات دولتهم. وهذا يقتضي خارطة طريق وحواراً وطنياً يضمنان المشاركة الفعلية والمواطنة المتساوية واستقلال المؤسسات وتداول السلطة. فالدولة ملك سياسي مشترك يقوم على التوافق، أما السلطة فتُكتسب بالأغلبية وفق قواعد دستورية يشارك السوريون في إقرارها.

إن فرض هوية السلطة على المجتمع قد يدفع من لا يجدون أنفسهم في صورتها إلى الانكفاء على انتماءاتهم الأولية طلباً للحماية، فيتحول الاختلاف الطبيعي إلى مصدر للخوف والصراع، وتتراجع الثقة بالدولة بوصفها ضمانة للجميع.

ليس مطلوباً من السلطة التنكر لتاريخها أو هويتها الفكرية، وإنما الاعتراف بأن هذه الهوية لا تمنحها حق صياغة هوية سورية. ومن حقها الدفاع عن أفكارها وكسب التأييد لها، لكن الاختبار الحقيقي لتحولها السياسي ليس خطاب الاعتدال والانفتاح، بل استعدادها لقبول دولة تستطيع حكمها اليوم ومغادرة الحكم فيها غداً، دون أن يصبح خروجها هزيمة وجودية لجماعتها.

السؤال اليوم ليس ما إذا كانت سورية قادرة على التكيف مع صورة السلطة التي تحكمها، بل ما إذا كانت هذه السلطة قادرة على التكيف مع سورية كما هي.

فسورية ليست على مقاس أحد، ولا ينبغي أن تكون. لا على مقاس جماعة انتصرت، ولا عقيدة يحملها الحاكم، ولا تصور سياسي يعتقد أصحابه أنهم وحدهم يعرفون طريق خلاصها. إنها وطن تشكل قبل هذه السلطة، وسيبقى بعدها، ولن يكون مستقبلها أكثر أمناً واستقراراً إلا بقدر ما تقبل السلطة أن تتكيف مع مجتمعها، بدلاً من إجبار المجتمع على التكيف معها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني