سورية.. الشعب في وادٍ والحكومة في وادٍ آخر

0 20

لقد تقزّزنا من الحديث عن سورية والنظام المخلوع على مدى نصف قرن، إلّا أننا الآن نتحدث عن سورية الجديدة وبالطبع لا نتحدث عن تباعد الشعب عن الحكومة أو انفصالهما فيزيائياً ومكانياً، إنما ننظر اليوم في الانفصام الواضح بين الشعب والحكومة المؤقتة، ونقصد بذلك التباين والاختلاف الواضح بينهما في التوجه والأسلوب والأهداف!

ولتوضيح ذلك نتساءل ماهي العلامات التي تعبّر عن الحكومة وأدائها، والعلامات التي تظهر إرادة الشعب وموقفه؟

أولاً: بالنسبة للحكومة، لا توجد مؤسسات حكومية حقيقية وفعلية تقوم بالتشريع وإصدار القوانين، ثم بالتخطيط وإعداد البرامج، ثم بالإعلان عن خطط وبرامج وموازنة، بما يتضمن ذلك المصادر والواردات، وتفصيل الإنفاق والمصاريف، ثم مؤسسات للمتابعة والمراقبة والمحاسبة، وكذلك لا توجد مشاريع وتنفيذ وإنجازات واضحة تتحدث بالأرقام والأدلة الموثقة عن حكومة وعن أداء حكومي، وفي الواقع لا يوجد مؤشرات وفعاليات وظواهر للحكومة ماعدا التصريحات والخطاب الإعلامي الرسمي والموثق.

ولكن في الواقع أيضاً فإنه يوازي ويباري ويرافق ذلك إلى حد الاختلاط والتشويش جيش مهَلْهَل من المريدين والمطبلين وربما الشغّيلة والموظفين من ذوي الأبواق والمنابر والصفحات وعملهم ينحصر في نشر أخبار كاذبة يتمّ تسميتها لاحقاً بالإشاعات، ثم يعملون في الادعاءات غير الواقعية والتهويم والحديث عن أحلام ووعود وردية، ويعملون كذلك في المزايدات الغوغائية على الآخرين، وهي نشاطات مخرّبة ومدمِّرة.

ثانياً: بالنسبة للشعب كذلك، لا توجد أحزاب ولا نقابات ولا منظمات مجتمعية، ولا توجد مجالس تمثل الشعب وتنقل رؤيته ومطالبه، ولا يوجد أي وسيلة تعكس وجود هذا الشعب وتجسده، ومن خلالها يستطيع الشعب أن يعبّر عن أفكاره ويعلن عن مطالبه سوى الاحتجاجات بأشكالها كافة ومستوياتها، سواء كان ذلك عبر وسائط التواصل الاجتماعي الافتراضية أو كان من خلال التظاهر ووقفات الاحتجاج في الشارع والساحات العامة.

إذن لدينا تصريحات حكومية وبالمقابل احتجاجات شعبية ولمعالجة ومقاربة هذه القضية نقول:

نظراً لانعدام أو لنقل لقلّة تصريحات الحكومة بما يتعلق بقضايا عاجلة وساخنة مثل قضايا محاسبة المجرمين والعدالة الانتقالية واسترداد أموال وحقوق الدولة والشعب، انعدام واستعادة واستيعاب وإسكان المهجَّرين، وإلى ما يشبه ذلك من قضايا، ونظراً للتصريح أو التحدث بخصوص هذه القضايا بشكل ضبابي وغير واضح وجازم فدعونا نبقى في حيّز القضايا الخدمية والمعيشيّة، ولكن تجنباً للهبوط إلى هذا المستوى وإسكاتاً للمزايدين والمتقولين ومدّعي الثورية والمخونين والطاعنين، وكذلك اختصاراً لكل التصريحات الحكومية ودون الدخول في متاهات، والتشعب في قضايا ساخنة، فسوف نختصر تصريحات الحكومة بتصريح وزير المالية محمد يسر برنية حيث قال مؤخراً: إنه خلال عام 2025 فإنه قد تحقق فائض مالي وقدره 46 مليون دولار وذلك لأول مرة منذ عام 1990، وقال إن ذلك قد حصل، حيث أن حجم الواردات قد بلغ 3,49 مليار دولار،  وأن حجم النفقات قد بلغ 3,447 مليار دولار، كما صرح بأن الناتج المحلي قد بلغ 30,6 مليار دولار.

وقال أيضاً: إن حجم الإنفاق سوف يرتفع خلال عام 2026 إلى مبلغ 10,516 مليار دولار.

وتعقيباً على تصريح وزير المالية نقول: لماذا لازال يتم معاملة الشعب بهذا الاستخفاف؟

أولاً: لا يحقّ لأي حكومة أن تتحدث عن وجود فائض مالي إلا بشرط أن تكون قد نفّذت كل ما تمّ التخطيط له، وكل ما هو مطلوب من أولويات وبدهيات العيش والخدمات، وإن تحقيق فائض لا يمكن أن يتمّ إلا بالتقصير عن التنفيذ أو نتيجة عدم وجود خطة، أو نيّة بالأصل للقيام بما يحتاجه الشعب.

فكيف توفّر للحكومة فائضاً مالياً وهناك تقنين وقطع للتيار الكهربائي يصل إلى ما يقارب عشرين ساعة يومياً، أيضاً فإن طرقات سورية كلها تحتاج إلى صيانة وتأهيل، وهناك حاجة لإنشاء طرقات جديدة تساوي الطرقات القائمة حالياً هذا عدا مسائل الدعم الحكومي وقضايا توفير الخبز والمحروقات والمياه والكهرباء والهاتف وشبكات الاتصالات الفضائية وبأسعار معقولة تتناسب مع متوسط الدخل الفردي، وكذلك مسائل توفير فرص العمل، ثم أنه لا يوجد بيان تفصيلي واضح لأبواب الواردات ولا تفصيل للنفقات والمصاريف، فمثلاً معظم الرواتب كان يتمّ دفعها عن طريق منحة سعودية/قطرية، فلم يتمّ الإشارة إليها في باب الواردات.

ثم أن الوزير برنية يقول: إن حجم النفقات سوف يتضاعف خلال عام 2026 ثلاث مرات لكي يصل إلى 10,516، فهذا الرقم الدقيق هل سيتضاعف معه حجم الواردات لكي يفوق هذا الرقم، ولا يخفى على أحد أن لدى معظم المتابعين والناشطين العديد من الأسئلة العريضة والتي تحتاج إلىى أجوبة واضحة ومفصلة.

وبمقابل ذلك هناك احتجاجات كثيرة واستياء عام، وهناك مطالب عديدة وكلها مشروعة وضرورية، ومنها يتعلق بالدخل الذي لا يغطي ربع الاحتياجات الأساسية، منها ما يتعلق بارتفاع الاسعار، ومنها ما يتناول الخدمات فتتم المطالبة بالضروريات غير القابلة للتأجيل أو للنقاش.

وهنا يأتي دور المطبلين، ويبدأ بعضهم بتكليف أنفسهم مهمة المخابرات ومحاكم أمن الدولة في الأنظمة الدكتاتورية المتخلفة، فيبادرون بالشتم وتوجيه التهم المضحكة والمخجلة، حيث يتصدى المبارزون فيهاجمون من يطالبون ويتهمونهم بشكل معيب فيقولون: من أنتم!؟ أين كنتم أيام المعارك؟ وماذا فعلتم وماذا حرّرتم!؟

وباختصار نقول: ألا تحق المطالبة بأولويات الحياة مثل المياه والكهرباء والمحروقات إلا لمن كان قائداً بالجيش الحر أو اقتحامياً ولديه إصابة وإعاقة دائمة لكي يثبت اشتراكه بالثورة؟ فلنفرض أن الذي يطالب بهذا الحق البدهي امرأة، فهل لا يحقّ لها، ولنفرض أنه شخص كان مهجّراً أو لنقل مهاجراً ثم عاد إلى وطنه، فهل لا يحق له المطالبة بأي حق؟ فهل هو عاد إلى وطنه لكي يكون عبداً أو تابعاً، وعليه فقط أن يتلقى الأوامر والتعليمات من طغمة لها ميزات استثنائية؟

إن مهاجمة المنتقدين والمطالبين بالحقوق هو تشبيح معيب ويسيء للثورة وللثوار.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني