
الملكية من قاعدة للاستثمار إلى مصدر للنزاع
في الجدل الدائر اليوم حول سعي وزارة الأوقاف لاستعادة أملاك بوصفها أوقافاً استناداً إلى سجلات عثمانية، يُطرح النقاش غالباً بصيغة قانونية ضيقة هي: هل هذه الوثائق ملزمة أم لا؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، لا يلامس جوهر المسألة. فالقضية الأعمق ليست في صحة الوثيقة، بل فيما يحدث للاقتصاد عندما تصبح الملكية نفسها موضع شك دائم، كما يظهر في بعض حالات الطعن الأخيرة في ملكيات عقارية داخل دمشق.
تاريخياً، شهدت دول عديدة تدخلات جذرية في بنية الملكية، كما في حالات الإصلاح الزراعي أو التأميم. ورغم ما أثارته هذه السياسات من جدل، فقد انطلقت من منطق واضح يقوم على إعادة توزيع الموارد لتحقيق أهداف اقتصادية أو اجتماعية محددة. أي أنها كانت تعيد توزيع الملكية بين الفاعلين، لكنها تتم ضمن قواعد قانونية واضحة ومعلنة، بما يحافظ على استقرار نظام الملكية وإمكانية التنبؤ به.
أما في الحالة السورية الراهنة، فنحن أمام وضع مختلف نوعياً. لا يظهر أن هناك مشروعاً منظماً لإعادة التوزيع، ولا رؤية إنتاجية واضحة، بل إعادة فتح لملفات ملكية تاريخية بطريقة انتقائية، عبر مسارات إدارية وقضائية، تتيح عملياً إعادة تجميع الأصول ضمن نطاق مؤسسات أو شبكات قريبة من الدولة. هنا، لا تكمن المشكلة في الوثائق العثمانية بحد ذاتها، بل في استخدامها لتجاوز منظومة الملكية الحديثة التي تشكلت مع نشوء الدولة، وعلى رأسها السجل العقاري.
حين يصبح من الممكن الطعن في ملكيات مسجلة منذ عقود استناداً إلى وثائق تاريخية قابلة للتأويل، فإن ما يتعرض للخطر لا يقتصر على عقار بعينه، بل يمتد إلى فكرة الملكية نفسها كقاعدة مستقرة. فالاقتصاد لا يقوم فقط على النصوص القانونية، بل على توقعات الفاعلين، وفي مقدمتها أن الحقوق المكتسبة اليوم لن تتحول إلى نزاع غداً.
في مثل هذا السياق، ينتقل الاقتصاد من فضاء يسمح باتخاذ قرارات استثمارية إلى بيئة يسودها عدم يقين قانوني دائم. وتظهر النتائج سريعاً بتجميد الاستثمار، عزوف رؤوس الأموال، تحويل الثروة إلى الخارج، وتراجع القدرة على تحقيق نمو مستدام. ببساطة، ترتفع المخاطر إلى مستوى يجعل الاستثمار خياراً غير عقلاني.
ولا يقتصر الأثر على الاقتصاد فحسب، إذ تشكل الملكية أيضاً ركناً أساسياً في الاستقرار الاجتماعي. ومع فتح ملفاتها بهذا الشكل، تتسع دائرة النزاعات، وتتآكل الثقة بين الأفراد والدولة، ويترسخ شعور عام بعدم الأمان القانوني. في هذه الحالة، لا تعود الدولة ضامنة للحقوق، بل تصبح طرفاً في إعادة توزيعها، ضمن منطق أقرب إلى الزبائنية السياسية وإعادة تخصيص الموارد عبر النفوذ.
الأكثر إشكالية هو غياب الأفق التنموي. ففي تجارب الإصلاح الزراعي أو التأميم التي عرفتها سوريا، حتى حين فشلت، كان هناك تصور اقتصادي قابل للنقاش. أما اليوم، فنحن أمام إدارة للموارد عبر منطق السلطة، لا ضمن رؤية تنموية واضحة، ما يدفع الاقتصاد نحو نمط قائم على الامتيازات والارتباطات السياسية بدلاً من الإنتاج والكفاءة.
إذا استمر هذا المسار، فإن التحدي لن يقتصر على توزيع الملكية، بل سيمسّ إمكانية بناء اقتصاد حديث أساساً. فبدون قواعد مستقرة للملكية، لا يمكن الحديث عن استثمار أو نمو أو استقرار. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال من يملك، بل ما إذا كانت الملكية نفسها ما تزال تؤدي دورها كضمانة اقتصادية وقانونية. فالمشكلة لذلك لا تكمن في نزع الملكية بحد ذاته، بل في القواعد التي تنظّمه. وعندما تُمسّ هذه القواعد، يتحول الاقتصاد من فضاء إنتاج إلى فضاء نزاع، وهو أخطر مسار يمكن أن تسلكه أي دولة تسعى إلى التعافي.