
رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي السوري الدكتور صلاح وانلي: دعم للمرحلة الانتقالية مع دعوة لإصلاحات سياسية واقتصادية أوسع
سوريا بين تحديات الانتقال وإعادة تشكيل الدولة:
في مرحلة سورية الجديدة ما بعد التحولات الكبرى التي أعادت رسم المشهد السياسي، تتصاعد النقاشات حول شكل الدولة المقبلة، وحدود السلطة، ومستقبل التعددية السياسية.
وفي ظل جدل متزايد حول مسار المرحلة الانتقالية، التقت صحيفة نينار برس مع رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي السوري الدكتور صلاح وانلي، في حوار سياسي وحقوقي موسع تناول أبرز الملفات الحساسة في سوريا الجديدة، من مجلس الشعب والحكومة إلى الاقتصاد والعدالة الانتقالية ومستقبل الدولة.
ويأتي هذا الحوار في سياق مرحلة انتقالية دقيقة، ما تزال تبحث عن توازن بين إدارة الواقع وبناء مؤسسات قادرة على الاستقرار والتمثيل الحقيقي، وسط تداخل معقد بين الشرعية السياسية ومتطلبات الاقتصاد والمجتمع.
مجلس الشعب: اختبار الشرعية في مرحلة انتقالية مفتوحة:
يرى الدكتور صلاح وانلي أن تشكيل مجلس الشعب في هذه المرحلة يمثل خطوة ضرورية في ظرف استثنائي، لكنه ما يزال بحاجة إلى استكمال بنيوي يعزز دوره التشريعي والرقابي.
يقول: “فيما يخص مجلس الشعب، أعتقد أن الانتظار كان طويلاً لبدء أعماله، وهو يتكوّن من جزء معين وجزء منتخب محلياً، لكنه غير مكتمل من حيث البنود الأساسية لتشكيل مجلس شعب حقيقي.”
ويضيف: “نحن في وضع استثنائي وحرج، ولذلك يجب دعم هذه المؤسسة لتقوم بواجباتها أمام الشعب.”
وبالعودة إلى التجربة البرلمانية السورية في خمسينيات القرن الماضي، يشير إلى أن المؤسسة التشريعية كانت أكثر رسوخاً: “كان البرلمان السوري في الخمسينيات هيئة تشريعية حقيقية تحظى باحترام داخلي ودولي، بخلاف ما حدث في عهد النظام السابق الذي حوّل المجلس إلى مؤسسة شكلية.”
ويؤكد أن المرحلة الانتقالية يجب أن تفضي إلى انتخابات حرة: “نأمل أن تكون هناك انتخابات حرة ونزيهة في القريب العاجل لتشكيل برلمان يمثل كل السوريين.”
وفي تقييمه للواقع الحالي، يشير إلى محدودية الخبرة لدى بعض الأعضاء: “عدد كبير منهم لا يملك الخبرة البرلمانية للقيام بواجباته أمام هذا الشعب.”
ويحدد أولويات المرحلة التشريعية قائلاً: “الدستور يجب أن يكون في مقدمة أولويات هذا المجلس، إلى جانب الرقابة على أداء الحكومة، وقانون الأحزاب، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين والمهجرين، وملفات الشفافية والصندوق السيادي.”
الحكومة الانتقالية: بين التكنوقراط وحدود التمثيل السياسي:
وحول مشاركة حزبه في الحكومة أو البرلمان، يوضح وانلي أن المشهد السياسي ما يزال في طور التشكل: “لا يوجد أي تواصل مع الحكومة الانتقالية بهذا الشأن، وبلا شك ستتشكل حكومة تكنوقراطية، ونأمل أن تكون ديمقراطية.”
ويضيف: “نحن كحزب التجمع الوطني الديمقراطي السوري نقف مع الحكومة الانتقالية للقيام بواجباتها تجاه هذا الشعب.”
حصاد المرحلة الانتقالية: انفتاح سياسي وضغط اقتصادي متصاعد:
يرى وانلي أن المرحلة الماضية حملت بعض المكاسب على المستوى السياسي والدبلوماسي:
“هناك إيجابيات كثيرة، أبرزها الانفتاح وصفر مشاكل، وإعادة العلاقات مع الدول الإقليمية والدولية، ورفع العقوبات، وفتح باب الحوار مع دول كانت تعتبر سابقاً خصوماً لسوريا.”
ويضيف: “هناك أيضاً قدر من حرية الإعلام، ونأمل أن تتوسع لتصبح قاعدة راسخة للشفافية.”
لكن في المقابل، يضع الاقتصاد في صدارة التحديات: “الوضع الاقتصادي سيء جداً، وهناك قرارات غير مدروسة في ملف الكهرباء والغاز والوقود.”
ويطرح رؤية تقوم على التوازن بين السوق والرقابة: “الاقتصاد المفتوح جيد، لكنه يحتاج إلى مؤسسات تضبط الأسعار وتحمي المواطن.”
العدالة الانتقالية: شرط الاستقرار المؤجل:
يرى وانلي أن العدالة الانتقالية تمثل شرطاً أساسياً لأي استقرار سياسي: “يجب أن تكون هناك هيئة عليا للعدالة الانتقالية، ومحاسبة المجرمين، والاستعانة بخبرات دولية في هذا المجال.”
ويؤكد ارتباط ذلك بحقوق الضحايا:“حتى يحصل أهلنا الذين قدموا الدماء وقضوا سنوات في السجون على حقوقهم.”
وفي تحذير واضح، يشير إلى هشاشة السلم الأهلي: “السلم الأهلي لا يزال مهدداً، وهناك خطاب طائفي ينشر بشكل صريح على وسائل الإعلام ومنصات التواصل.”
ويضيف: “يجب تجريم الطائفية والمناطقية والعرقية لإعادة بناء الهوية السورية.”
هوية الدولة وسقف المرحلة الانتقالية
يؤكد وانلي على الطبيعة التعددية للمجتمع السوري: “سوريا دولة فسيفساء تضم كل المكونات، ويجب أن يكون الجميع شركاء في بنائها.”
ويحدد سقف المرحلة الانتقالية بوضوح: “نرى أن المرحلة الانتقالية يجب ألا تتجاوز سنتين إلى سنتين ونصف، يليها انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة.”
الاقتصاد وإعادة بناء الثقة
يرى وانلي أن الاقتصاد يشكل حجر الأساس للاستقرار: “الاقتصاد السوري يحتاج إلى تنظيم حقيقي، لأن فتح السوق دون ضوابط يؤدي إلى فوضى سعرية.”
ويضيف: “يجب أن تكون هناك مؤسسات قادرة على حماية المواطن وضبط الأسعار.”
ويختم: “لا استقرار دون ثقة، ولا استثمار دون استقرار سياسي وأمني واقتصادي.”
سوريا عند مفترق الدولة:
في خلاصة هذا الحوار، تتبلور رؤية سياسية تقوم على دعم المرحلة الانتقالية مع الدفع نحو إصلاحات أوسع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتفعيل العدالة الانتقالية، وضبط المسار الاقتصادي والاجتماعي.
فبين مكاسب الانفتاح الخارجي وضغط الأزمات الداخلية، تقف سوريا أمام لحظة مفصلية لا تحتمل التأجيل، إما انتقال يُفضي إلى تأسيس فعلي للدولة، أو إدارة أزمة ممتدة تعيد إنتاج الأسئلة ذاتها بصيغ جديدة.
وفي النهاية، لا يبدو أن الرهان اليوم على الخطاب، بل على القدرة على صناعة التحول، تحولٌ يُقاس بالفعل قبل أن يُعلن بالكلمات.