
كيف نبني دولةً قويةً بعد الدمار (5-6)
نستعرض في هذا الجزء من سلسلتنا العصا التي يبقى بواسطتها تاج السلطة مرفوعاً بحكمة وعزة وحماية يستمدها ذاك التاج من الشعب وهي:
المؤسسات والقانون:
عندما تحاول السلطة في أي دولة تعزيز قوتها فعليها في البداية فهم أمر شديد الأهمية وهو أن الدولة القوية لا تعني أشخاصاً أقوياء بل تعني مؤسسات قوية وقضاء مستقل وشفافية عالية يتم تطبيقها على الجميع دون مواربة ولا تمييز وهذا لا يتحقق دون محاربة الفساد لأن الناس لن تلتزم بالقانون عندما ترى أنه لا يُطبَّق على الجميع بل ستبحث عن طرق ملتوية للالتفاف على ذلك القانون الذي لا يشعر الناس أنه يمثلهم.
تبدأ المصالحة بالعاطفة لكن القانون هو الذي يحدد إمكانية استمرارها عندما يحميها وسنذكر كمثال مدينة حمص لكونها تختصر بين طياتها كامل الوطن بكل ما يحمله الوطن من جروح طائفية عميقة ودمار كبير بالإضافة إلى أنها مدينة مختلطة تضم على ترابها عدة أديان وطوائف وعودة هذه المدينة إلى العيش المشترك سيكون بداية العلاج ونهاية الألم في باقي المحافظات.
من الملاحظ في التجارب السابقة لدول أخرى عاشت حالة مشابهة لما مرت به سوريا أن الناس تنتقل من الولاء للزعيم (الروحي أو الاجتماعي أو السياسي) إلى الولاء للنظام الذي تعتقد أنه سيحميها سواء بقي ذاك الزعيم أو رحل.
للوصول إلى ما تحدثنا عنه آنفاً علينا العمل على اتباع عدة خطوات أهمها:
1– شرطة محايدة:
عندما يجد المواطن أن مديرية الشرطة تضم بين عناصرها أشخاصاً من مناطق متعددة وقد تم تعيينهم بحسب الكفاءة مع مراعاة التوزيع الجغرافي سيشعر بالأمان أكثر فهو يبحث عن عنصر أو ضابط يحميه، وليس من يحاكمه على اسمه أو حيه أو دينه أو طائفته.
2– قضاء مستقل:
في محكمة الاستئناف والبداية لا يتم تعيين القاضي بحسب طائفته أو انتمائه بل بحسب شهادته وخبرته والأهم أن يتم تنفيذ الأحكام على الكبير والصغير بنفس السوية حينها سيصدق الناس أن القانون في بلدهم يمثلهم.
الخلاصة أن القانون هو الأكثر قدرة على تحويل عبارة (نحن وهم) إلى (جميعنا مواطنون)
3- إدارة محلية منتخبة:
حين تنتخب الأحياء أعضاء مجالسها بكامل حريتها ستفهم أنها تختار الشخص الذي سينجح في تحسين خدمات حيهم أو الشخص الذي سيدمر حيهم وفي كلا الحالتين هم من اختار.
ومن المهم أن نستذكر عدة قوانين تحتاجها حمص في هذه المرحلة من تاريخها:
أولاً: قانون ملكية وعقارات واضح وشفاف تواجه عبره السلطة الحاكمة في مدينة حمص المشاكل الحقيقية التي تؤرقها حالياً في مجال العقارات إذ أنها لم تنجح حتى الآن في إصدار قاعدة بيانات رقمية رغم مرور قرابة العامين على سقوط النظام البائد، كما أنها لم تنجح في إظهار أنها استطاعت إقناع الناس بحل نزاعاتهم المتعلقة بالعقارات في المحاكم المدنية وليس بالواسطة أو بالقوة.
ثانياً: قانون عدالة انتقالية واضح وشفاف لأن الناس تعيش بين تناقض لا حل له إلا بالعدالة الانتقالية وهو التحريض على الثأر للضحايا ويقابله مطالبة عائلات الضحايا بالنسيان، والحل في هذه الحالة يكون عبر محاكم خاصة لمجرمي الحرب من كل الأطراف مع تعويض مناسب لأهالي الضحايا والعمل على إنشاء سجل وطني للحقيقة (لتوثيق حقيقة ما جرى ومنع الأجيال القادمة من تزوير تاريخ الثورة).
الخلاصة:
يشعر المواطن أن البلد الذي يعيش فيه هو وطنه عندما يستطيع استعادة منزله عبر إثبات ملكية دون معرفة القاضي أو أعوانه أو أحد المسؤولين وعندما يرى المسؤول الذي خرق القانون خلف القضبان وعندما يجد الحكومة تعاقب التاجر الذي يتهرب من دفع الضرائب وعندما يجد الوظائف توكل للأجدر والأكثر كفاءة، عندها سيبذل روحه الدفاع عن هذا الوطن وهو مرتاح.