دير الزور أولاً.. لماذا ينبغي أن تبدأ إعادة إعمار سوريا من الشرق؟

0 10

ليست إعادة الإعمار في سوريا ترفاً سياسياً أو مشروعاً يمكن تأجيله، بل هي ضرورة وطنية فرضها واقع أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب، التي خلّفت دماراً واسعاً في المدن والبلدات والبنى التحتية. وإذا كان من الطبيعي أن تتنافس المحافظات على أولوية الإعمار، فإن قراءة واقعية لاحتياجات البلاد تقودنا إلى نتيجة واضحة: إن الجزيرة السورية، وفي مقدمتها محافظة دير الزور، تستحق أن تكون نقطة الانطلاق في مشروع إعادة بناء سوريا.

لقد عانت دير الزور من سنوات طويلة من المعارك وتعدد القوى المسيطرة عليها، الأمر الذي أدى إلى تدمير أحياء كاملة، وانهيار الجسور وشبكات الكهرباء والمياه والري، إضافة إلى انتشار الألغام ومخلفات الحرب التي ما زالت تعيق عودة السكان واستثمار الأراضي الزراعية. وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر من نصف البنية التحتية في سوريا أصبحت مدمرة أو غير صالحة للعمل، بينما تعد دير الزور من أكثر المحافظات تضرراً، إذ بلغت نسبة الضرر في البنية التحتية نحو 58%، وهي من أعلى النسب على مستوى البلاد.

ورغم أن بعض التقديرات المحلية تشير إلى أن حجم الدمار في أجزاء واسعة من دير الزور تجاوز 80% من المباني والخدمات، فإن الأرقام وحدها لا تعكس حجم المأساة. فإعادة الحياة إلى المحافظة لا تعني ترميم الحجر فقط، بل إعادة الإنسان أيضاً. فحين تتوافر المدارس والمستشفيات والطرق والكهرباء والمياه، يصبح بإمكان آلاف المهندسين والأطباء والمعلمين والفنيين العودة إلى مدينتهم، لتتحول دير الزور من منطقة طاردة للسكان إلى بيئة جاذبة للكفاءات والعقول.

وتكتسب هذه العودة أهمية استثنائية لأن المنطقة الشرقية تمثل القلب الاقتصادي لسوريا. فهي تضم أهم حقول النفط والغاز، وفي مقدمتها حقل العمر وكونيكو، إضافة إلى مساحات زراعية واسعة تعتمد على نهر الفرات. وقبل الحرب كانت سوريا تنتج نحو 390 ألف برميل من النفط يومياً، وكانت النسبة الأكبر من هذا الإنتاج تأتي من الحقول الواقعة في الشرق، بينما لا يزال الإنتاج الحالي بعيداً عن تلك المستويات بسبب الأضرار التي لحقت بالقطاع.

ولا تقتصر أهمية دير الزور على النفط والغاز، بل تمتد إلى الزراعة والثروة الحيوانية. فقد كانت المحافظة من أهم مناطق إنتاج القمح والشعير والقطن، إلا أن شبكات الري تعرضت لدمار كبير، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي بصورة حادة. ولهذا تعمل منظمات دولية، مثل برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة، على إعادة تأهيل مشاريع الري باعتبارها مفتاحاً لاستعادة الأمن الغذائي وتحسين دخل السكان.

إن الاستثمار في إعادة إعمار المنطقة الشرقية ليس خدمة لأهلها فقط، بل استثمار في مستقبل الاقتصاد السوري كله. فكل جسر يُعاد بناؤه، وكل محطة كهرباء تعود إلى العمل، وكل مشروع ري يُؤهَّل، ينعكس مباشرة على زيادة الإنتاج الزراعي والطاقة وفرص العمل والإيرادات العامة للدولة. وهذا ما يجعل الشرق السوري قادراً على أن يكون رافعة اقتصادية حقيقية تمول مراحل لاحقة من إعادة الإعمار في بقية المحافظات.

ومن هنا، فإن انطلاق مشروع إعادة الإعمار من دير الزور لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه تفضيلاً لمنطقة على أخرى، بل باعتباره قراراً تنموياً يستند إلى المصلحة الوطنية. فحين تستعيد المحافظة قدرتها الإنتاجية، ستسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتشجيع عودة مئات الآلاف من المهجرين إلى ديارهم.

إن سوريا تحتاج اليوم إلى رؤية تتجاوز معالجة آثار الحرب، نحو بناء اقتصاد قادر على النهوض من جديد. ولأن الشرق السوري يجمع بين الثروات الطبيعية، والإمكانات الزراعية، والموقع الجغرافي الحيوي، فإن جعله نقطة البداية في مشروع إعادة الإعمار قد يكون القرار الذي يجر بقية عربات القطار. وإذا نجحت دير الزور في استعادة الحياة، فإنها لن تعود محافظة منكوبة، بل ستصبح القاطرة التي تقود سوريا كلها نحو التعافي والاستقرار والتنمية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني