المنطقة على صفيح ساخن: من يربح لعبة النار بين إيران وأمريكا وإسرائيل؟
عندما أصبح نظام ولاية الفقيه حقيقة واقعة على الأرض وتمّ خسارة الشاه إلى الأبد كان على الولايات المتحدة أن تستفيد من التغيير الذي حدث أو بمعنى أدقّ أن تُقلّل خسارتها، وبعد حلّ مشكلة الرهائن الأمريكيين في السفارة في طهران، كانت الولايات المتحدة توعز لحلفائها العرب والأوربيين في دعم العراق لإنهاك الطرفين المتحاربين (العراق وإيران) في حرب ضروس استمرت لثماني سنوات أكلت الأخضر واليابس من مقدرات المنطقة وانتهت بنتيجة خاسر – خاسر للعراق وإيران ورابح – رابح للولايات المتحدة وإسرائيل.
حاولت الولايات المتحدة استمالة النظام الإيراني وتوظيف مشروعه لخدمة مشاريعها بالمنطقة، واغتنم الإيرانيون هذه الفرصة وقبلوا الهدايا والعطايا الأمريكية وتوسعوا في المنطقة بالشكل الذي بات الهلال الشيعي أمراً واقعاً، إلا أنّ درجة أدنى من تقاسم النفوذ والتعايش لم تحصل بين المشاريع الأمريكية والإسرائيلية مع مشروع إيران الديني والامبراطوري للمنطقة وبات الصدام حتمياً، وحصل في السابع من أكتوبر 2023 في حرب الطوفان والتي لا زالت مستمرة في جغرافيات متعددة لكن بين نفس الأطراف،
كانت إيران تخشى دخولها في حرب مباشرة وانتهجت خطة الدفاع المتقدم عبر الأذرع لمنع وصول الحرب إلى أراضيها وكانت تسعى لتكون الحرب العراقية الإيرانية آخر الحروب التي تخوضها بجيشها وعلى أرضها، وأحاطت إسرائيل والقواعد الامريكية بحزام من النيران، وكانت الخطة الإيرانية للسيطرة على الإقليم لا تكتمل إلا بانسحاب أمريكي من المنطقة وتقوقع إسرائيل داخل حدودها أو زوالها أو إزالتها إن أمكن.
انتقل الصراع بين إيران وإسرائيل إلى مرحلة المواجهات المباشرة وبالأصالة في تبادل هجمات بينهما إثر قصف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في دمشق ثم اغتيال إسماعيل هنية في طهران، ولم يُقدّم الحرس الثوري أيّ قدرات عسكرية نوعية تنسجم مع التصريحات القوية التي كانت تصدر من النظام الإيراني طيلة العقدين الماضيين، والتطور النوعي كان في الجرأة على الاشتباك المباشر مع إسرائيل وليس الاحتفاظ بحق الرد وتكليف الوكلاء بالرد نيابةً عنها.
عندما وصل ترامب للبيت الأبيض كانت فرصة نتنياهو واللوبي اليهودي في أميركا هي الفرصة الأخيرة لإقحام الولايات المتحدة بحرب مباشرة على إيران، فقد أغرى النصر الهوليودي في فنزويلا ترامب بتكراره في منطقة الخليج العربي، حيث إنه وكما هو معلن أنّ بوصلة الإستراتيجية الأمريكية هي صوب الصين، كما أنّ تراجع القوة الأمريكية على كل الصعد يتطلب السيطرة على منابع الطاقة العالمية وطرق عبورها لكي تستمر القطبية الأحادية الأمريكية وكسب جولة الصراع مع الصين بالضغط عليها عبر ورقة الطاقة والضغط بمنع الطاقة على من يُحالفها ضد الهيمنة الأمريكية، بمعنى الحرب على إيران وفق الأهداف الأمريكية هي من أجل ذلك، كما أنّ كسب إيران (بعد هزيمتها وتنصيب نظام موال لواشنطن) كعنصر فاعل في الأجندة الأمريكية وإضعاف المحور الشرقي المتمثل بروسيا والصين وسحب المخلب الإيراني منه.
وكانت الولايات المتحدة ترغب في إزالة آخر عقبة أمام شرق أوسط تكون فيه إسرائيل القوة المهيمنة ووسيط القوة الذي يرجع له الاطراف تحت الهيمنة والرعاية الأمريكية، وبالتالي تُؤمّن الولايات المتحدة ظهرها في حصار الصين وقطع كل طرق الحزام والطريق البرية والبحرية، فيما كان لإسرائيل اهدافاً أخرى وهي إسقاط النظام الايراني برمته وبالتالي بسقوطه ينتهي المشروع النووي والصاروخي والإقليمي وتعود إيران كدولة عادية تدور في الفلك الامريكي وتُنفّذ ما يُطلب منها، وأيّ هدف غير إسقاط النظام الإيراني بهذه الحرب أو الفرصة التاريخية ستُعتبر هزيمة لإسرائيل ومشروعها في المنطقة، لأن الخطر الوجودي الذي يُهددها من إيران مايزال قائما وليتم كل ذلك لا مناص من تدمير الدولة الإيرانية وليس إسقاط النظام فحسب كما تريد واشنطن وإذا تم تقسيم إيران فيكون ذلك افضل وفق الأجندة الإسرائيلية.
كانت كل تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية تؤكد أن الحرب الأخيرة وهي الشوط الثاني من حرب الـ 12 يوم في حزيران 2025 لن تستمر لأكثر من أيام أو اسبوع على أبعد تقدير وستستسلم إيران، كان التعويل على اغتيال المرشد وكبار قادته سيؤدي الى انقضاض وتمرد وانتفاضة داخلية تودي بالنظام، على اعتبار أنّ إيران كانت تعاني من انتفاضة شعبية في شهر كانون الثاني 2026، وانقضت الأسابيع ولم ينهار النظام ولم تصدق التحليلات بالثورة الشعبية وظهر النظام الإيراني متماسكاً ومسيطراً بعد أن تمّ قصف 14 ألف هدف في إيران من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، وأظهرت إيران قدرات عسكرية نوعية خاصة في سلاحي الصواريخ والمسيرات، ونفذت تهديدها بأنّ الحرب لن تكون عليها فقط بل على العالم كله وبدأت بتوزيع الألم على الجميع من خلال تدمير القواعد الأمريكية في الخليج العربي والسيطرة والتحكم بمضيق هرمز واكتساب هذه الورقة التفاوضية الهامة، وبسبب عدم القدرة على إخضاع النظام الايراني عبر القصف عن بعد واستبعاد أيّ احتمال لحرب برية وعدم التمكن من كف يد إيران عن المضيق لم يكن أمام الرئيس الأمريكي إلا أن يوقف الحرب بعد 39 يوم من بدئها.
في الثامن من نيسان أوقف الرئيس الأمريكي الحرب لأنّ أيّ إنجاز عسكري ينعكس بنتائج سياسية لم يعد ممكناً، واستنفد العمل العسكري أسبابه ولم تحصل النتائج المتوخاة منه وبالتالي فقدت أمريكا أهم أوراقها (بل الأهم) وبالتالي لم تكتفِ بالتلويح بعصاها الغليظة بل استعملتها ولم تُحقّق مبتغاها.
أظهر الأمريكان ورقة الحصار البحري للموانئ الإيرانية كـ «بروباغاندا» إعلامية للقول إنهم يملكون الكلمة العليا ويتحكمون من بُعد في مضيق هرمز، وبدأت مفاوضات غير مباشرة للتوصل لإعلان نوايا أو خارطة طريق للمفاوضات المقبلة، وبالتأكيد الموقف التفاوضي الأمريكي أضعف الآن بعد شنّ ترامب لحربين متتاليتين دون تحقيق أي هدف وبالتالي مالم يتم أخذه بالقوة لن تعطيه إيران بالمفاوضات.
ومن نتائج الحرب لحد الآن هي:
1- فقدان الهيبة الأمريكية (والعسكرية خاصة) وفشلها في تحقيق نصر عسكري حاسم على دولة متوسطة القوة في الإقليم تتعرض لحصار وضغوط منذ 47 عاماً.
2- ظهور الولايات المتحدة كدولة عدوانية خارجة على القانون لا يؤتمن جانبها حيث شنت الحربين الأخيرتين على إيران وهي في ذروة عملية تفاوضية مع الخصم.
3- ظهور وهم الحماية الأمريكية وسقوط نظرية الردع الأمريكي حيث لم تتمكن الولايات المتحدة من حماية حلفائها ولا حتى حماية قواعدها.
4- حنى الآن الولايات المتحدة خسرت قواعدها كلها في الخليج ويتم استهداف قاعدة الأزرق في الأردن، وبالتالي قد تكون إيران بدأت عملياً بمشروعها الكبير وهو إخراج القوات الأمريكية من المنطقة لترسيخ نفوذها ومشروعها الديني والإمبراطوري.
5- إلى جانب ظهور ارتباك أو ارتجالية الإدارة الأمريكية في التخطيط للحرب، خسرت الآن أهم مضيق في العالم وبات تحت السيطرة الإيرانية، وبالتالي منع عودة أي ترميم وإعادة بناء للقواعد الأمريكية المدمرة، وبالتالي قد تكون أسطورة البترودولار في طريقها للتداعي.
6- بدء ظهور أو تبلور رأي عام أمريكي يقول إن إسرائيل تُشكّل عبئاً على الولايات المتحدة، هناك نسبة كبيرة من الأمريكيين ومن تيار ماغا أيضاً يرون أنّ هذه الحرب هي لأهداف إسرائيلية وليس أمريكية، وبالتالي أطاح ترامب بأهم شعار أوصله للبيت الأبيض لنجعل أمريكا عظيمة مرة ثانية أو أمريكا أولاً.
7- بالتأكيد ستذهب دول الخليج لمراجعة إستراتيجياتها الدفاعية والسياسية لأنها اكتشفت أن الولايات المتحدة لا تبالي بمصالحها وزجّت بها في أتون حرب لم تستشرها فيها ولا تبالي بالنتائج الكارثية المترتبة عليها.
8- حققت الحرب نتائج عكسية، فبدلاً من إخضاع المنطقة للهيمنة الإسرائيلية والأمريكية والتخلص من عقبة إيران، أصبحت إيران ومن خلفها روسيا والصين قوة منافسة، فبعد امتلاك إيران للردع الدفاعي بتحمل الهجمات وعدم تقديم التنازلات أصبحت الآن تمتلك ما يُعرف بالردع الهجومي وهو ما ظهر مؤخراً في معادلة قصف الضاحية مقابل قصف شمال إسرائيل.
9- خسرت إسرائيل فرصتها التاريخية، وبقيت إيران تُشكّل خطراً وجودياً عليها، وأكثر من ذلك، لا يوجد أي سبب الآن يمنع إيران من صناعة القنبلة النووية (ان لم تكن تملكها بالفعل).
10- ظهور الحاجة لتشكيل تحالف إسلامي سني في المنطقة يكون نداً للمحورين المتصارعين ويؤمن مصالح وأمن شعوب ودول المنطقة، إضافةً لكسر احتكار إسرائيل للسلاح النووي وانضمام عدة دول أسوةً بإيران لهذا النادي ومن أهم المرشحين لذلك تركيا ومصر والسعودية.