القانون الحازم لدرء النزاعات الأهلية

0 12

كلنا يعلم بأن سورية، رغم أنها موطن الحضارات، إلا أن شعبها لم يصل عتبة المدنيّة ولم يكتسب بعد ثقافة المواطنة، ولا نكشف سرّاً ولا نبالغ إذا قلنا إن سورية، ما إن انقشع وخرج الاحتلال العسكري المباشر من الباب، والتقطت سورية أنفاسها وبدأت تتدرّج في ممارسة الحياة الديمقراطية، حتى عاد الاحتلال غير المباشر من الشبّاك، وقام بزرع وتثبيت ما ينوب عنه، وهو نظام حكم دكتاتوري بوليسي وظيفي، وفوق ذلك، لسوء الحظ، تم اختياره طائفياً، وأن تكون آلية ووسيلة قيامه واستمراره هي استغلال واقع تنوّع واختلاف مكونات الشعب السوري وتفعيل الطائفية. وهذا واقع قد حصل فعلاً، ولا يمكن لأحد نفيه أو نكرانه، وقد دفعت سورية كثيراً ثمناً لحصوله.

النظام البائد لم يكتفِ بمجرّد تعبئة طائفته وتشغيلها، رغم أن هذا وحده كان يكفي لتسميم أو (كهربة وتشنّج) الشعب بجميع مكوناته وشرائحه، ولكن سلطة النظام المخلوع عمدت إلى إحياء وتوظيف الطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية والطبقية والجهوية، بل حتى النقابية والمهنية، وكل ذلك فقط لكي تحتفظ هذه الطغمة العائلية المحدودة العدد بحكم وسلطة ومفاتيح وموارد وقرار سورية.

ودام حكم هذه العصابة لعقود طويلة، ما أدى إلى:

1- تثفّل المجتمع السوري ونسف الهرم الطبيعي للطبقات، وبقاء ركام واسع من طبقات ومجموعات الفقراء، مع أقلية من مربّعات وبؤر وعصابات امتصاص الدماء والكسب غير المشروع، مع مجموعات ضئيلة من الأغنياء.

2- التصحّر السياسي وغياب التنظيم المجتمعي وضعف الوعي وتخريب القيم وعدم تحكيم القانون.

وما زاد هذا الواقع كارثيةً وعنفاً ودمويةً هو قيام النظام المخلوع وداعميه ومشغّليه بتحويل الثورة السورية العظيمة ضد الدكتاتورية والاستعباد والفساد إلى حرب تحرير شعبية استمرت أربع عشرة سنة، وقد اشتركت فيها جميع مكونات الشعب السوري دون استثناء، سواء بشكل أو بآخر. ولذلك، فإن من الطبيعي أن ينتج عنها استقطاب وتجاذب وتحشيد وتعصّب وتشنّج وأيديولوجيات وخزعبلات فارغة وأسبقيات خشبية ومنطلقات متصلبة، وكذلك اتهام وتخوين ومزايدة.

نظرنا وأطلنا وأسهبنا في استعراض هذا الواقع:

أولاً: لكي نقول إن مجتمعات ومكونات الشعب متداخلة جغرافياً ومتشابكة حياتياً ومعيشياً، ولا يمكن فصلها خلال النشاط والفاعلية في جميع المجالات.

ثانياً: أشرنا إلى معطيات وعوامل نشوء هذا الواقع لكي نسأل جميع المهتمين والمتابعين والنخب المدعوة إلى المبادرة والعمل، نسألهم جميعاً: ما هو العمل، وما هو الحل؟

وإننا مدعوّون فعلاً وبشكل إسعافي عاجل إلى استباق نشوب النزاعات المحتمل نشوبها، وذلك لدرئها ولمنع نشوبها بين جماعات وفئات شعبية لعائديات متباينة ولأسباب مختلفة. ومثال ذلك نشوب نزاع عميق يمكن أن يصبح خطيراً وله تداعيات في ملاعب وصالات واستادات الرياضة، حيث تحتشد الجماهير المختلفة العائدية أو الانتماء لمتابعة الفرق الرياضية بحماس وتشجيع، وسوف يتم تعقيد وتخصيب هذا التشجيع لكي يحمل فوقه مظاهر الاستقطاب والتحزّب والتعصّب وشعارات ويافطات وأغانٍ وصرخات التهجّم والتخوين والتنمّر والمزايدة، لكي يفضي ويؤدي كل هذا إلى الخلاف، ثم الاشتباك والصدام، لكي يتداعى عنه الصراع والتخندق. والاشتباك والعنف معروفان في جموع مشجعي الرياضة في الدول المتقدمة والمستقرة، فكيف ستكون الحالة السورية المضطربة؟ وهذا ما عدا أوساط العمل المشترك والوظائف والزمالة، فما بالك بالتواجد في القطع العسكرية والأمنية؟؟

الحل المقترح هو مبادرة الحكومة وقيام المؤسسات التشريعية بفعل كل ما يلزم لدراسة وصياغة وإقرار، ثم إصدار قوانين واضحة وحازمة تتضمن وتنص على ما يلي:

يُمنع بشكل تام وقطعي، ويُعتبر من صلب أمن الدولة ويأخذ صفة ودرجة الطوارئ، ما يلي:

1- التهجّم ضد أي مجموعة من السوريين بأسلوب يتضمن الإجمال والشمول.

2- استخدام وإشهار شعارات أو هتافات أو رايات أو رموز خاصة بطائفة أو قومية أو عشيرة أو منطقة بشكل ظاهر في الأماكن العامة، ويتضاعف الجرم إذا كان الفعل استفزازاً أو تهجّماً على طرف آخر.

3- لا يحق مهاجمة الأفراد واتهامهم إلا عن طريق مؤسسات القضاء، وذلك بالادّعاء المقرون بالأدلة.

ولكن حتى تستطيع الحكومة إصدار هذه الحزمة من القوانين، وحتى تستطيع تطبيقها بشكل طبيعي وسلس، ولكي تحظى هذه القوانين برضا المعنيين وبقبول الشعب وتقبّله وعدم رفضه أو تمرّده، هناك شروط منطقية وخطوات حتمية لا يمكن تجاوزها، وهي:

– البدء فوراً بالتطبيق الشامل والممنهج لعملية المحاسبة القضائية العادلة والتامة لجميع أفراد عصابات النظام السابق، وذلك بإنشاء وتأسيس العدد الكافي من المحاكم الثورية الوطنية المهنية، ومباشرتها النظر والحكم والتنفيذ في قضايا الإجرام والقتل والإرهاب، وقضايا الفساد والسرقة والاختلاس واستغلال النفوذ، وكذلك النظر في تهم يتم اعتبارها خيانة.

وهذه الجرائم والجنايات هي موضوع وأسباب النزاعات المحتملة.

– إعادة الحقوق إلى أصحابها، وخاصة الأراضي المغتصبة لجعلها مخالفات سكنية واسعة، وتسوية قضايا الاستملاك.

إضافة إلى قيام المحاكم باستقبال جميع الشكاوى والدعاوى ضد الأفراد، والنظر فيها بشكل عاجل، ثم إبرام الأحكام والتنفيذ.

وهذا الإجراء يكبح ويمنع النزاعات الفردية التي، بخصوصيتها ومع تكاثفها، قد تشعل صراعاً جماعياً أكثر اتساعاً.

إذن، يجب أن نبدأ بتطبيق مبدأ المحاسبة، لأن إرجاءه وتأخيره وإهماله سيكون سبباً لصراع واسع، سورية الجديدة بغنىً عنه.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني