
الاستملاك.. حين يخسر المواطن ملكه
حين يفقد مواطن منزله أو أرضه بقرار استملاك، فهو لا يفقد عقاراً فقط. يفقد جزءاً من أمانه. وقد يفقد سنوات من العمل والادخار. لذلك لا يمكن النظر إلى الاستملاك باعتباره مسألة إدارية عادية. إنه اختبار حقيقي لعلاقة الدولة بالمواطن.
الاستملاك، في الأصل، ليس أمراً غريباً عن القوانين. تحتاج الدولة إلى الأرض لبناء الطرق والمدارس والمستشفيات وشبكات الخدمات. لكن هذا الحق يجب أن يبقى مرتبطاً بالمنفعة العامة، وأن يقابله تعويض عادل وضمانات حقيقية للمالك.
هنا تبدأ الأسئلة حول المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983، الذي نظم الاستملاك في سوريا. فقد منح القانون الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والجهات الإدارية حق استملاك العقارات المبنية وغير المبنية لتنفيذ مشروعات ذات نفع عام. وهذا مبدأ يمكن فهمه. لكن المشكلة تظهر عند النظر في طريقة تقدير الملكية، وحق الاعتراض، ومصير العقار بعد الاستملاك.
فالقانون ينص على تشكيل لجنة بدائية من ثلاثة أعضاء لتقدير قيمة العقار. كما ينص على احتساب القيمة قبل صدور مرسوم الاستملاك مباشرة، مع استبعاد الارتفاع في الأسعار الناتج عن المشروع أو المضاربات المرتبطة به. هذا النص قد يبدو منطقياً في بعض الحالات. لكنه يصبح أكثر تعقيداً عندما تمر سنوات بين تقدير العقار ودفع التعويض، أو عندما تتغير قيمة الأرض بصورة كبيرة.
المواطن لا يعيش في جدول حسابي. فإذا خسر أرضاً اليوم، فإنه يحتاج إلى شراء أرض أو منزل آخر اليوم. وإذا وصل التعويض بعد سنوات، فقد تكون قيمته الشرائية قد تغيرت كثيراً. لذلك لا تكفي عبارة «التعويض» وحدها. السؤال الأهم هو: هل يستطيع هذا التعويض أن يعيد للمالك شيئاً قريباً مما فقده؟
المشكلة لا تقف عند قيمة التعويض. ماذا يحدث إذا استُملكت الأرض لمشروع معين ثم تغيرت الغاية؟ وماذا يحدث إذا بقي المشروع معلقاً سنوات طويلة؟ وماذا يحدث إذا تحولت الأرض المستملكة لاحقاً إلى مشروع استثماري؟ هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل بقيت «المنفعة العامة» التي بررت نزع الملكية، أم أن العقار دخل في مسار مختلف؟
هذه الأسئلة لم تعد نظرية في سوريا الجديدة. خلال الأشهر الأخيرة عاد ملف الاستملاك إلى الشارع. ففي أيلول 2026 خرج أهالٍ في ضاحية قدسيا وريف دمشق احتجاجاً على مشاريع تقام على أراضٍ يقولون إنها استُملكت في عهد النظام السابق. وطالب المحتجون بإعادة النظر في الملفات، وحماية الملكيات، وعدم المضي في مشاريع استثمارية قبل حسم حقوق أصحاب الأراضي.
وفي قدسيا تحديداً، شهدت المنطقة احتجاجات متتالية على مشروعي «شام فيو» و«أبيات هيلز». وردد المحتجون شعار «الشعب يريد إسقاط الاستملاك»، وطالبوا بإعادة الأراضي أو تسوية حقوق أصحابها قبل استمرار الأعمال. كما شهدت مناطق أخرى، بينها حلب، تحركات من متضررين من ملفات الاستملاك.
هذه الاحتجاجات تقول شيئاً مهماً. المجتمع السوري لا ينظر إلى الملف باعتباره خلافاً قانونياً فقط. هناك شعور لدى أصحاب ملكيات بأن ملفات قديمة لم تُحسم بعد. وهناك خوف من أن تنتقل الأراضي المستملكة من غاية عامة إلى مشاريع استثمارية قبل حل حقوق أصحابها.
وفي المقابل، لا يمكن بناء دولة جديدة بإلغاء كل قرارات الاستملاك بصورة جماعية. فهناك مشاريع عامة نُفذت فعلاً، وحقوق انتقلت إلى أشخاص آخرين، وتعويضات دُفعت، ومراكز قانونية تشكلت عبر عقود. لذلك تحتاج المعالجة إلى مراجعة هادئة لكل حالة على حدة.
المطلوب اليوم ليس إلغاء فكرة الاستملاك. المطلوب قانون أكثر عدلاً ووضوحاً. قانون يثبت المنفعة العامة، ويمنح المواطن حقاً حقيقياً في الاعتراض، ويضمن تعويضاً قريباً من القيمة الفعلية للملكية، ويحدد مدة واضحة لدفعه. والأهم أن تكون هناك جهة قضائية مستقلة تستطيع مراجعة القرار ومساءلة الإدارة.
كما أن الملفات القديمة تحتاج إلى آلية خاصة للمراجعة. فإذا ثبت أن عقاراً استُملك ولم ينفذ المشروع الذي استُملك من أجله، أو تغيرت الغاية منه، فيجب أن يكون للمالك السابق طريق قانوني واضح للمطالبة بحقه.
العدالة هنا لا تعني تعطيل الدولة ولا وقف الاستثمار. تعني فقط ألا يبدأ الاستثمار من فوق نزاع لم يُحسم.
لقد تغيرت سوريا. ومن الطبيعي أن تتغير معها طريقة النظر إلى الملكية والاستملاك. فالدولة التي تريد بناء الثقة مع مواطنيها تحتاج إلى أن تقول لهم بوضوح: المنفعة العامة حق، لكن الملكية الخاصة أيضاً حق. وعندما يتعارضان، يجب أن يكون القانون هو الحكم، لا قوة الإدارة.
السوريون لا يريدون دولة عاجزة عن بناء الطرق والمشاريع. ولا يريدون في الوقت نفسه دولة يستطيع فيها المواطن أن يخسر أرضه ولا يعرف كيف يستعيد حقه.
إن قانون الاستملاك العادل ليس قانوناً يمنع الدولة من الاستملاك. إنه قانون يمنع الظلم عندما يصبح الاستملاك ضرورياً.