
إحداثيات سورية الجديدة وفق المتحولات الدولية
العالم في صيرورة مستمرة تحركه المصالح، وحركته صراع ولو بأشكال مختلفة وإن آلية هذه الحركة هي الاستقطاب بجملة متكاملة من التجاذب والتوافق والتلاقي والتنافر والتعاكس وقد يتراوح ذلك بين التماهي والتحارب.
وقد حدثت الحرب في أوكرانيا وهي نقطة فاصلة وإن بعدها يختلف عما كان قبلها وقد نتج عنها ما قد أسميته حينذاك (انفجار التوافق الدولي) ونحن في سورية مثلاً كان التوافق الدولي يعادي مصالحنا ويضر بها، فقد التقت مصلحة الجميع على المحافظة على النظام السوري السابق رغم جرائمه أما عندما انفجر هذا التوافق، تنافرت المصالح، واقتضت مصلحة الأقوياء إزالة النظام السوري ومع تطوّر حرب أوكرانيا واستجابة لمتطلباتها فقد قرر الأقوياء مايلي:
أولاً: إضعاف إيران وتفكيك حلفها وإزالة أجنحتها لأنها حاولت التفلت من السيطرة الأمريكية واستغلال الحرب للتحالف مع روسيا ومساندتها، وعليه فقد تم تدمير حزب إيران اللبناني وإضعاف ميليشياتها في العراق واليمن ثم تم ضرب إيران وتدميرها وتقليم أظافرها.
ثانياً: برزت أهمية تركيا نظراً موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية، وتقديراً أو توخياً لدور حاسم يمكن أن تلعبه، وأصبح المتصارعون يتسابقون لجذبها والتحالف معها، وانتهت الاتفاقات والمخططات والمناورات ضدها وانقلب الأمر إلى محاولات تخادم معها.
ثالثاً: تم تجميد مشروع كوردستان الكبرى، لاسترضاء تركيا وعدم معاداتها.
رابعا: حدث تغيير استراتيجي عميق في السياسات والخطط الأمريكية بخصوص الشرق الأوسط واستجد مايلي:
1- تبلورت تسمية الشرق الأوسط الجديد وتعني شكلاً جديداً مختلفا لتوازن القوى وللخرائط الجيوسياسية.
2- نتيجة لمتطلبات الصراع الدولي القائم وتداعياته وتشابكاته الإقليمية، فقد قرّر الأمريكان تقليص دور ونشاط الكيان الإسرائيلي، ونوضّح بأن سبب حرب أوكرانيا الفعلي هو اتفاق روسيا مع الصين على توريد النفط والغاز من روسيا لصالح الصين على أن يتم الدفع باليورو بدلاً من الدولار الأمريكي، وهذه بادرة تحالف اقتصادي عملاق ضد الولايات المتحدة الأمريكية، والصين هي الصلب الاقتصادي لهذا التحالف وهناك سعي جاد لدمج أوروبا وانتزاعها من الضفة الأمريكية، وتوازى ذلك مع خطة إسرائيلية تقوم على إنشاء خطوط نقل تجاري حديثة تمتد من الإمارات العربية وصولاً إلى ساحل فلسطين على البحر الأبيض المتوسط وهدفها وصل الصين مع أوروبا وتكثيف التبادل التجاري بينهما، ولكن هذا يصطدم مع المصالح الأمريكية.
ولأسباب أخرى مثل وجود مصالح أمريكية اقتصادية أو دفاعية مع دول شرق أوسطية أخرى تفوق المصالح مع إسرائيل، ولعدم وجود جدوى أو مبرر لتعدي إسرائيل على بلدان أخرى مثل سورية أو غيرها فقد تقرّر تحجيم إسرائيل.
3- قرر الأمريكان دعم وتسريع إنشاء خطوط الأنابيب لنقل النفط والغاز العربيين إلى أوروبا مروراً بسورية وتركيا بهدف إضعاف روسيا وحجب جزء كبير من النفط العربي عن الصين أو رفع تكلفته، وإبعاد فكرة جنوح الأوربيين بعد دروس وعِبر الحرب في أوكرانيا.
4- قرر الأمريكان التمسك بالطريق التجاري القديم بين أورربا والمشرق العربي عبر سوريا ثم تركيا وحجبه عبر إسرائيل، وكذلك مد خطوط نقل النفط.
خامساً: استمرت الحرب بمركزيتها، فتقرر انعقاد قمّة استثنائية لحلف شمال الأطلسي في أنقرة وارتفعت أسهم تركيا واكتسبت أوراق قوة داخل الحلف وخارجه.
أما بخصوص الشأن السوري فقد تلقت سورية دعوة لحضور فعاليات القمة وهذه سابقة ملفتة ودافع ذلك هو توجيه رسالة ساخنة إلى روسيا، وقد حضر الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع فعاليات القمة، وخلالها تحدث الرئيس الأمريكي ترامب أمام الشرع بحديث بدا مثيراً حيث كرّر القول بأن الأمريكان هم من وضعوا أحمد الشرع في منصبه، ولكن في الحقيقة كلام ترامب لم يكن موجّهاً لا للسوريين ولا للشرع بل كان رسائل لأطراف عديدة، فهي رسائل تهديد ضد روسيا وملخصها أن سورية تخضع لنفوذ الأمريكان وسيتم اقتلاع روسيا مجاملةً لتركيا لأنها كانت ومازالت مشاركة ولاعبة فعالة في الساحة السورية أما الحديث بخصوص الجولان السوري والسيادة عليه فقد أراد بها ضبط الأوضاع وفق اتفاقية هدنة 1974 والاستمرار على ما يجري منذ عقود رغم أنه يعني احتلال إسرائيل للجولان وكذلك التلويح لكثير من الدول أن أمريكا قادرة على تجسيد سيناريو فنزويلا أو نظام الأسد.
نعم، والآن وبعد استعراض واستقراء جميع المعطيات والمعادلات أين هو موقع سورية الجديدة؟
يجب علينا أن نستنتج بأن المعطيات لصالحنا ونتصرف بثبات ونعي بأننا نمتلك أوراقاً قوية وقابلة للتسييل.