من مدرجات الملاعب إلى انقسامات المجتمع: هل تتعلم سوريا إدارة الاختلاف؟

0 17

لم تكن مباراة كرة السلة بين الوحدة الدمشقي والكرامة الحمصي، التي انتهت في 20 تشرين الأول 2026 بفوز الوحدة بنتيجة 61-58، مجرد مباراة رياضية. فقد تحولت الهتافات في المدرجات والجدل حول الإساءة إلى عبد الباسط الساروت إلى مناسبة لاستحضار حساسيات سياسية ومناطقية ما زالت حاضرة في المجتمع السوري. وبين مطالبة نادي الكرامة بالمحاسبة ونفي نادي الوحدة تعمد الإساءة، والإعلان عن تشكيل لجنة للتحقيق، برز سؤال يتجاوز حدود الملعب: كيف يمكن للسوريين أن يختلفوا من دون أن يتحول الخلاف إلى خصومة؟

من المهم ألا نحمّل حادثة واحدة أكثر مما تحتمل، أو أن نعتبر تصرفات بعض المشجعين تعبيراً عن موقف مدينتين كاملتين. فدمشق وحمص، مثل غيرهما من المدن السورية، تضمان آراء ومواقف مختلفة. لكن ما حدث يستحق التوقف عنده، لأن الرياضة لا تنفصل تماماً عن المجتمع الذي تنشأ فيه، وقد تظهر في مدرجاتها حساسيات تراكمت خلال سنوات الصراع.

بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة تحمل آمالاً كبيرة، لكنها تواجه أيضاً مهمة صعبة تتمثل في ترميم العلاقات بين السوريين. فقد عاش الناس تجارب مختلفة، وفقد كثيرون أحبة ومنازل، وارتبطت بعض الشخصيات العامة بذكريات وتضحيات لا تحمل المعنى نفسه لدى الجميع. ويُعد عبد الباسط الساروت، لدى كثيرين، رمزاً مرتبطاً بالثورة السورية. ومن الطبيعي أن تختلف الآراء حول الشخصيات العامة، لكن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى إساءة أو اتهام جماعي.

المشكلة ليست في وجود الاختلاف، بل في طريقة التعامل معه، فإذا كان من الصعب أن يتفق السوريون على قراءة واحدة للماضي، فمن الممكن أن يتفقوا على قواعد تحمي حق الجميع في التعبير، وتمنع الإهانة والتخوين، وتضمن المساواة أمام القانون. وهذه القواعد لا تُبنى بالمواعظ وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات يشعر المواطنون بأنها تمثلهم وتحمي حقوقهم.

من هنا تأتي أهمية الحياة السياسية في سوريا الجديدة. فالأحزاب والنقابات والمجالس المنتخبة ليست مجرد مؤسسات تتنافس على السلطة، بل يمكن أن تكون مساحات يعبّر فيها المواطنون عن اختلافاتهم، ويناقشون مشكلاتهم، ويبحثون عن حلول مشتركة. وعندما تتاح للناس فرصة المشاركة في القرار، يصبح الخلاف جزءاً طبيعياً من الحياة العامة، بدلاً من أن يتحول إلى صراع بين المدن أو الجماعات.

لكن التعددية لا تعني وجود أحزاب كثيرة فقط، بل تعني أن تقبل القوى السياسية حق الآخرين في الاختلاف، وألا تحتكر أي جهة الحديث باسم الوطن أو المجتمع. كما تتطلب أن تقوم المنافسة على البرامج والحلول، من تحسين الخدمات وفرص العمل إلى حماية الحقوق، لا على استثمار الانتماءات المناطقية والمذهبية. فالدولة العادلة لا تطلب من المواطنين أن يتشابهوا، بل تضمن لهم حقوقاً متساوية رغم اختلافهم.

ولا يكفي إعلان هذه المبادئ؛ إذ تحتاج إلى تطبيق القانون على الجميع، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وفتح المجال للحوار بين أبناء المناطق المختلفة. كما أن نجاح المرحلة الانتقالية يرتبط بقدرة السوريين على المشاركة الفعلية في بناء مؤسسات بلادهم، والشعور بأن الدولة ليست ملكاً لفئة أو جماعة، بل حق مشترك لجميع المواطنين.

وفي حالة مباراة الوحدة والكرامة، يمكن البدء بخطوة بسيطة وواضحة: التحقيق فيما جرى، ونشر النتائج بشفافية، وتحديد المسؤوليات إذا ثبت وقوع مخالفات، من دون تعميم الاتهامات على جمهور كامل أو مدينة بأكملها. فالمحاسبة العادلة تحمي الجميع، بينما يزيد التعميم من التوتر ويحوّل حادثة محدودة إلى خلاف أوسع.

إن سوريا لا تحتاج إلى أن يتفق أبناؤها على كل شيء، بل إلى أن يتعلموا الاختلاف من دون عداوة. وقد لا تكون هذه المباراة دليلاً على انقسام شامل، لكنها تذكّرنا بأن بناء الثقة يحتاج إلى عمل يومي في السياسة والمجتمع والرياضة. وعندما تصبح المشاركة والمساواة واحترام القانون قواعد ثابتة، يمكن للمنافسة بين الأندية أن تبقى مناسبة للفرح والتشجيع، لا لاستحضار خلافات الماضي.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني