
من المدرجات إلى المجال العام: العدالة الانتقالية وترميم الثقة المجتمعية في سوريا
كشفت التداعيات السجالية الحادة التي عقبت مباراة كرة السلة بين ناديي الوحدة الدمشقي والكرامة الحمصي عن عمق الحساسية المفرطة التي يعيشها المجال العام السوري في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد. إن قراءة هذا المشهد بوصفه مجرد خلاف عابر بين مشجعي ناديين رياضيين تُعد مقاربة سطحية تختزل الأزمة؛ إذ لا يمكن تفكيك هذا الحدث بمعزل عن البنية المجتمعية والتراكمات الثقيلة التي خلّفها الاستبداد. فالإرث الأخطر لنظام الأسد لم يقتصر على دولة مثقلة بالانتهاكات والخراب الهيكلي، بل تعداه إلى تخريب الأنسجة المجتمعية وضرب قيم الثقة البينية، محولاً الهويات الفرعية التي كان يُفترض أن تتعايش تحت مظلة مواطنة جامعة إلى خطوط تماس ملغومة بالشك، والريبة، والاتّهام المتبادل.
في هذا السياق، لم تعد الهتافات والاعتراضات حبيسة الصالة الرياضية أو منضبطة داخل إطار التنافس الرياضي، بل سرعان ما انتقلت كالنار في الهشيم إلى المنصات الرقمية ووسائل الإعلام، وترافقت مع تحركات احتجاجية محلية في الفضائين الافتراضي والواقعي، قبل أن يعلن اتحاد اللعبة تشكيل لجنة تحقيق مشتركة لتحديد المسؤوليات.
إن هذه الحادثة ليست معزولة عن جذورها التاريخية؛ فالملاعب الرياضية السورية لم تكن يوماً مساحات للتنافس الرياضي المحض، بل تحولت طوال عقود الحكم السلطوي إلى مرآة عاكسة للاحتقانات العميقة وترسبات التهميش المزمن. ومن هنا، فإن استدعاء الهويات الفئوية والمناطقية في المناسبات العامة لا ينبع من تعصب جماهيري عابر، بل هو نتاج مسار طويل وممنهج لتسييس الانتماءات المحلية، في ظل غياب كامل للمؤسسات المستقلة وضعف الثقة بقواعد العدالة والمنافسة الشريفة.
لقد كرس الاستبداد حالة من الشك العمودي والأفقي بين السوريين، وقوّض المواطنة لصالح شبكات النفوذ والمحسوبية، ما جعل أي خلاف محدود قابلاً للتأويل الهوياتي، والتعميم الجماعي، والتعبئة المضادة. وفي مناخات ما بعد السقوط، تُشير بيانات مسوح التماسك المجتمعي إلى أن شعور الأفراد بالانتماء بات ينكفئ ويتركز في دوائر ضيقة كالحي والمجتمع المحلي الصغير، مدفوعاً بمخاوف الماضي والضغوط الاقتصادية الراهنة، وهو ما يضع الأنشطة العامة في مواجهة دائمة مع مخاطر استدعاء الخصومات والذاكرة المتنازع عليها.
وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية: هل يمكن لآليات العدالة الانتقالية، إذا ما طُبقت بصورة عميقة وشفافة تحت سقف القانون، أن تسهم في ردم هذه الانقسامات وإعادة بناء المجال العام؟
تُظهر دراسات التماسك المجتمعي أن العدالة الانتقالية ليست برامج للتسامح الشكلي أو المحاسبة الانضباطية السريعة، بل هي إطار مؤسسي متكامل يستهدف معالجة الإرث الهيكلي للانتهاكات. وتتصل هذه العملية بردم الانقسام المناطقي والمجتمعي عبر أربع مسارات رئيسية:
- إنهاء العقاب الجماعي وتكريس المساءلة الفردية: يقوم المبدأ الأول للعدالة الانتقالية على تجريد المسؤولية الجنائية أو الأخلاقية من دلالاتها المناطقية أو الطائفية، وتحديدها حصراً استناداً إلى الفعل والأدلة القانونية القاطعة. فعندما يلمس المواطنون تطبيق القواعد بحياد صارم على الأفراد بقطع النظر عن خلفياتهم الجغرافية، يتراجع منطق الاتهام الجماعي وتفكك سرديات الشيطنة المتبادلة.
- كشف الحقيقة وتحرير الذاكرة الجماعية: إن غياب التوثيق المستقل والشفاف يترك الذاكرة الجماعية عرضة للتأويلات السياسية والاستغلال الأيديولوجي. ويساهم التوثيق النزيه للمظالم السابقة في الاعتراف بمعاناة جميع الضحايا دون مفاضلة أو تراتب، ما يحول دون توظيف الوجع الإنساني لتغذية الاستقطاب المناطقي.
- الإصلاح المؤسسي وبناء الثقة: لا تكتمل العدالة دون ضمانات عدم التكرار، والتي تمر حتماً عبر بناء مؤسسات عامة قضائية وأمنية وإدارية ورعائية تلتزم بالشفافية المطلقة والمساواة. إن استقلال هذه المؤسسات هو الحصن الذي يمنع تحول أي خلاف في نشاط عام إلى مواجهة بين هويات فرعية، إذ يوفر مرجعية قانونية وأخلاقية موثوقة لحسم النزاعات وإدارة الاختلاف.
- المشاركة المجتمعية وجبر الضرر: تضمن المشاركة الشاملة للضحايا والمجتمعات المحلية رد الاعتبار للكرامة الإنسانية المهدورة، وتمنع تشكل شعور بالتهميش أو الإقصاء لدى أي طرف، ما يمهد الطريق لمصالحة مجتمعية حقيقية لا تُسقط المحاسبة ولا تُغيب الحقوق.
بطبيعة الحال، لا تملك العدالة الانتقالية قدرة سحرية على إلغاء الاختلافات السياسية والاجتماعية الطبيعية، أو توحيد مشاعر السوريين تجاه الماضي بصورة قسرية، كما أنها لا تغني عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية التنموية العادلة. لكن دورها المحوري يكمن في توفير البيئة القانونية والأخلاقية التي تمنع تحويل الاختلاف إلى مبرر للإقصاء أو العداء.
إن العبرة من حادثة كمباراة الوحدة والكرامة ليست في الوقوف عند الهتافات الانفعالية وردود الأفعال اللحظية، بل في كيفية استجابة المؤسسات لها. فالتعامل الناجع المستند إلى التحقيق الشفاف والمساءلة القانونية النافذة هو الكفيل بمنع تسلل الخصومة إلى الأنسجة الاجتماعية. إن استعادة سوريا لمجالها العام تقتضي الانتقال الحاسم من منطق الشك والتخوين إلى منطق سيادة القانون والمواطنة المتساوية؛ لتشكل الملاعب والساحات العامة مجدداً مساحات للتنافس المشروع والتعبير الحر، لا ساحات بديلة لتصفية حسابات الماضي.