
محمد بسام طبلية لـ «نينار برس»: «الملكية أصل والاستملاك استثناء».. وسوريا تحتاج قانوناً جديداً يحمي الحق ولا يستنسخ تجارب الآخرين
بهذه القاعدة يضع المحامي محمد بسام طبلية إصبعه على واحدة من أكثر القضايا حساسية في سوريا الجديدة وهي تستعد لمرحلة إعادة الإعمار. فالدولة تحتاج إلى الأرض لتنفيذ الطرق والمستشفيات والبنية التحتية والمشاريع الكبرى، لكن المصلحة العامة، في رؤيته، لا تمنحها تفويضاً مفتوحاً لانتزاع الملكية، ولا ينبغي أن يتحول صاحب العقار إلى الطرف الأضعف في معادلة يفترض أن يحكمها القانون.
طبلية، المحامي في المملكة المتحدة وسوريا، يرى أن حماية الملكية الخاصة ليست تفصيلاً قانونياً يمكن تجاوزه عند الضرورة، بل قاعدة يجب أن ينطلق منها أي تشريع جديد. أما الاستملاك، فيبقى استثناءً لا يصبح مشروعاً إلا إذا قامت ضرورة حقيقية، وكان الإجراء متناسباً مع الهدف، واقترن بتعويض عادل ورقابة قضائية فعالة.
وفي حديثه لـ «نينار برس» حول قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 والمرسوم 66 لعام 2012، يضع طبلية التجربة السورية في مواجهة أسئلة إعادة الإعمار والاستثمار، مستحضراً نماذج من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مع التشديد على أن سوريا، في تقديره، تحتاج إلى صيغة قانونية تنبع من ظروفها الخاصة.
قانون 1983.. أين اختل التوازن؟
يرى طبلية أن قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 لم يحقق، في تقديره، التوازن المطلوب بين المصلحة العامة وحق الملكية الخاصة، منتقداً ما يعتبره قصوراً في التعويض وضمانات الطعن واللجوء إلى القضاء.
ويذهب إلى وصفه بأنه «بمثابة الخنجر الذي طُعن به الأساس الدستوري السوري»، في تعبير يعكس موقفه من حجم المساس الذي يراه بحق الملكية.
وبالنسبة إليه، فإن السؤال لا يتعلق فقط بحق الدولة في الاستملاك، بل بمن يثبت ضرورة هذا الاستملاك، ومن يراقب مدى تناسبه، ومن يحمي المالك عندما يرى أن القرار أو التعويض غير عادل.
المنفعة العامة.. ضرورة لا ذريعة:
يؤكد طبلية أن الطرق والمستشفيات والجامعات ومشاريع البنية التحتية قد تمثل منفعة عامة حقيقية، لكن ذلك لا يلغي شرط الضرورة والتناسب.
ويقول: «لا يجوز، على سبيل المثال، استملاك منطقة كاملة بحجة إنشاء مدرسة أو مشفى، إذا كانت الحاجة الفعلية لا تتطلب سوى مساحة محددة».
ويضيف أن الضرورة يجب أن تشمل الموقع أيضاً: هل يحتاج المشروع فعلاً إلى الأرض المحددة، أم يمكن تنفيذه في مكان آخر بأضرار أقل على الملكية الخاصة؟
وفي مقارنته بالتجربة البريطانية، يشير إلى التفاوض مع أصحاب الأراضي، وإتاحة الاعتراض، والتعويض، ثم اللجوء إلى القضاء عند تعذر الاتفاق. أما فرنسا، فيستشهد بها للدلالة، بحسب عرضه، على أهمية وجود مبررات وإثباتات جدية قبل المساس بالملكية.
التعويض.. قيمة العقار أم قيمة الضرر؟
لا يرى طبلية أن التعويض العادل يمكن اختزاله في سعر العقار. فالتقييم، بحسب رؤيته، ينبغي أن يأخذ في الاعتبار «مساحة العقار وموقعه وحالته، ولا سيما حالة البناء، وطبيعة استخدامه».
وفي العقارات المرتبطة بنشاط تجاري، يبرز سؤال القدرة على نقل النشاط والمحافظة على الدخل. فإذا أدى الانتقال إلى خسارة جزء من الإيرادات، فإن هذا الضرر، في رأيه، يجب ألا يختفي خلف رقم التقييم العقاري.
وهكذا يصبح التعويض، في تصوره، تعويضاً عن الضرر الفعلي، لا مجرد ثمن للأرض والبناء.
المرسوم 66.. التسمية لا تلغي الأثر:
في قراءته للمرسوم 66 لعام 2012، يرى طبلية أن وصف الإجراء بإعادة التنظيم العمراني لا يحسم طبيعته وآثاره على الملكية. «العبرة بالأثر الفعلي على حق الملكية»، يقول.
فإذا حُرم المالك من حرية التمتع بملكيته، فإن اختلاف شكل التعويض، سواء أكان حصصاً في المقاسم أو أسهماً في شركات أو بيعاً بالمزاد، لا يعني بالضرورة، وفق قراءته، انتفاء الاستملاك.
ويربط ذلك بسؤال إعادة الإعمار الأوسع: عندما ترتفع قيمة الأرض بسبب المشروع، هل يستفيد صاحبها الأصلي من هذه الزيادة؟ طبلية يرى أن القيمة المتولدة عن التطوير ينبغي ألا تذهب إلى طرف واحد، بل يجب البحث عن صيغة عادلة تشارك فيها الدولة والمطور والمالك.
قانون جديد لا نسخة أجنبية:
يؤيد طبلية الاستفادة من التجارب الأجنبية في ضمانات مثل «حق الاعتراض، والقرار المعلل، والتفاوض، والتعويض العادل، والرقابة القضائية»، لكنه يرفض استنساخ قانون أجنبي كما هو.
فواقع سوريا، بحسب عرضه، تحكمه عقارات مدمرة، وملكية متشابكة، وملاك متوفون، وحقوق انتقلت بالإرث، وبيوع متكررة، ومشكلات في إثبات الملكية، إلى جانب ظروف اقتصادية ومصرفية استثنائية.
لذلك يدعو إلى قانون استملاك جديد يبدأ بدراسة المشكلات الفعلية، ثم طرح مسودته للنقاش مع المواطنين والمحامين وأصحاب المصلحة، قبل إحالته إلى السلطة التشريعية.
وفي النهاية، يربط طبلية حماية الملكية بالاستثمار والاستقرار. فالمستثمر، في رأيه، لا يضع أمواله حيث تكون الملكية معرضة لعدم اليقين.
وهنا يبرز السؤال الأهم لمرحلة إعادة الإعمار: هل تستطيع سوريا أن تبني قانوناً يجعل المصلحة العامة طريقاً لحماية المستقبل لا مدخلاً إلى نزاعات جديدة على الملكية، وأن تحقق المعادلة التي يطرحها طبلية: دولة تملك حق الاستملاك عند الضرورة، ومواطن يملك حق الاعتراض والتعويض والقضاء، وقانون يجعل «الملكية أصل والاستملاك استثناء» قاعدة فعلية لا مجرد شعار؟