
قوانين الاستملاك في سورية بين الهيمنة التنفيذية وغياب الحماية القضائية
تُعدّ الحماية القانونية للملكية الخاصة أحد أهم أركان الاستقرار الاجتماعي والأمن الاقتصادي في أي دولة تسعى لصون كرامة مواطنيها. غير أن المتتبع لمنظومة التشريعات العقارية وقوانين الاستملاك المتعاقبة في سورية يجد أنها انحرفت تدريجياً عن مقصدها الأسمى المتمثل في خدمة “المنفعة العامة”، لتحول الاستملاك إلى آلية لإعادة توزيع الثروة العقارية ونزع الملكيات الفردية بقرارات إدارية تفتقر للشفافية وتتجاوز الرقابة القضائية. إن مراجعة الإطار القانوني والتطبيقات العملية تُظهر وجود أزمة بنيوية عميقة تقتضي إعادة بناء النص القانوني لحماية حقوق المواطنين وضمان التوازن المفقود بين حق الفرد ومصلحة الجماعة.
حيث يشكل المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 1983 حجر الأساس في سياسات مصادرة الملكيات في سورية. ويكشف التحليل القانوني لنصوصه عن خلل جوهري في فلسفة التشريع:
- مطاطية مفهوم “المنفعة العامة”: تمنح المادتان (2) و(3) الإدارات والجهات الحكومية صلاحيات واسعة لتقدير المنفعة العامة لتشمل كافة الأنشطة البنائية والمشاريع الاستثمارية والسياحية، وحتى تنفيذ تجمعات سكنية لجهات محددة لبيعها للغير. هذا التوسع يُحرف مفهوم الاستملاك عن مقصده الشرعي والمتمثل في النفع العام المجرد، ليتحول إلى وسيلة لنزع ملكية فرد لصالح فرد أو جهة أخرى.
- حصانة القرار الإداري: تنص المادة (7) على أن: “مرسوم الاستملاك نهائي وغير قابل للطعن”، مما يحرم المواطن من حق اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن في شطط السلطة التنفيذية أو التشكيك في جدوى المنفعة العامة المزعومة.
- بخس التعويضات والقطع المجاني: يتيح القانون اقتطاع نسبة تصل إلى 25% أي الربع من مساحة العقار مجاناً ودون تعويض. إضافة إلى ذلك، تشير المادة (30) إلى إمكانية تقسيط التعويضات المتبقية على مدار 5 سنوات بفائدة لا تتجاوز 5%، وهو ما أدى ـ في ظل التضخم الحاد وانهيار القيمة الشرعية للعملة الوطنية ـ إلى تقاضي المالكين لتعويضات نقدية رمزية لا تعكس القيمة السوقية الفعلية لعقاراتهم.
- استحواذ الدولة على الأراضي المستملكة: المادة (35) تُسقط صفة المنفعة العامة عن الأراضي دون إعادتها التلقائية لمالكيها الأصليين، بل تحولها إلى ملكية خاصة للدولة، مع إعطاء المالك الأصلي مجرد أولوية شراء بشروط تعجيزية.
وقد رفع المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012 وتعديله القانون رقم 10 لعام 2018 أدوات الاستملاك إلى مستوى جديد من الهندسة العقارية القسرية تحت شعار “التجديد الحضري” والذي أشار إلى:
- إلغاء الشخصية القانونية للمالك: تنص المادة (22) من القانون رقم 10 على اعتبار منطقة إعادة التطوير “شخصاً اعتبارياً يحل محل جميع مالكي العقارات وأصحاب الحقوق”، دون استشارتهم أو الحصول على موافقتهم، وهو ما يمثل تهميشاً كاملاً لإرادة المالكين الأصليين.
- التحويل الإجباري إلى أسهم تنظيمية: يتم تحويل حقوق الملكية العينية المباشرة إلى “أسهم تخطيطية مشتركة”، مما يضع صغار المالكين في موقف تفاوضي واقتصادي ضعيف ويجبرهم على التنازل عن حقوقهم أو بيع أسهمهم بأسعار زهيدة للمستثمرين وكبار النافذين.
وتتجلى قسوة التشريعات عند تقاطعها مع ظروف النزاع والتهجير القسري من خلال استغلال غياب الأهالي، حيث يُظهر القانون رقم 1 لعام 2018 الخاص ببلدة عين الفيجة في ريف دمشق ـ والذي شمل استملاك نحو 1500 عقار بمساحة تقارب 1100 دونم ـ تطبيقاً لأحكام استملاكية في أوقات كان فيها أغلب السكان مهجرين، مع فرض إشارات حجز ومنع تصرف حرمت أصحاب الحقوق من متابعة قضاياهم. وللأسف مازالت هذه الإشارات والأوضاع قائمة حتى بعد التحرير.
وعلى الرغم من أن مجلس الشعب يمتلك الصلاحية الدستورية والتقنية لتعديل أو إلغاء التشريعات الجائرة، فإن النوايا المعلنة من بعض أعضاؤه واللجان التابعة له لم تترجم بعد إلى خطوات تنفيذية حاسمة لتجميد تلك القرارات.
إن صياغة قانون استملاك عادل وموحد يجب أن تنطلق من فلسفة حماية الملكية الخاصة باعتبارها حقاً دستورياً وأساساً للاستقرار، وتستند إلى ثلاث ركائز جوهرية:
- إعادة إخضاع قرارات الاستملاك للرقابة القضائية: تمكين المحاكم الإدارية (مجلس الدولة) من النظر في مشروعية “المنفعة العامة” وإلغاء القرارات التعسفية.
- اعتماد القيمة السوقية الفعلية للتعويض: صياغة معايير تقييم عادلة تعتمد الأسعار السائدة في السوق وقت الاستملاك، وإلغاء التقسيط الطويل الأجل واقتطاع الربع المجاني.
- الشفافية والتشاركية الإجرائية: إشراك المالكين وسكان المناطق المتأثرة في عمليات التخطيط والتطوير، وضمان مدد زمنية وإجراءات سهلة تبسط إثبات الملكيات والاعتراض، خاصة للسكان المهجرين والمشتتين.
إن استمرار العمل بالمنظومة العقارية الحالية يُعمّق الشعور بالظلم الاجتماعي. إن المطلوب اليوم ليس مجرد تعديلات شكليّة على بعض المواد، بل إجراء إصلاح تشريعي شامل يصدر بموجبه قانون استملاك جديد وموحد، ينهي حالة الشتات القانوني وتعدد اللوائح، ويضع حداً للتغول الإداري على حساب حقوق الأفراد.