
في سؤال الموجود عن وجوده
إن سؤال الموجود عن وجوده ليس وقفاً على مصيره المحتوم الذي يعرفه، وهو العدم، بل إن سؤال المصير المحتوم صار مسوَّراً بجوابين تصوريين لا ثالث لهما في الغالب، وإن تعددت صيغهما: العدم المطلق والعدم المؤقت، عدم الجسد وخلود الروح، التقمص، التناسخ. لكن الانتقال من التصور إلى الوجود لا يغري العقل الفلسفي، بل السؤال الفلسفي هو ما الذي حمل الإنسان على هذا النمط من التفكير.
ولهذا يجب أن ينصب السؤال على وجودي في الحاضر، فمعناي لا يتحدد بالعدم، أياً كان، بل بالعيش ومعنى حياتي. ذلك أن سؤال الموجود عن وجوده ليس سؤالاً عما سيكون عليه بعد أن يكف عن الوجود، بل عما هو عليه الآن، وعما يستطيع أن يكونه وهو موجود.
والذي يجد معنى وجوده في ماضٍ لن يعود أبداً، كائن يهرب من حقيقة وجوده في الحاضر. فالماضي، مهما كان عظيماً، لا يمنح الحاضر معناه إلا بمقدار ما يبقى فاعلاً فيه. أما أن يتحول الماضي إلى ملاذ يهرب إليه الموجود من حاضره، فذلك ضرب من الغياب عن الوجود الحي.
والسؤال الحقيقي هو: هل باستطاعتي أن أجعل من المستقبل الذي في عقلي حاضراً؟ إن الجواب عن هذا السؤال مستحيل دون أن أحدد العلاقة بين الممكن والواقع، بل دون ممكن واقعي عقلي لا حياة تنتظر مستقبلاً. وكيف أحوّل ما أعيه بوصفه إمكانية إلى وجود متعيّن بالفعل؟
ولهذا فإن المستقبل العقلي هو ما كان قابعاً بوصفه إمكانية في الحاضر، وليس زمناً منتظراً يأتي من تلقاء ذاته. فالمستقبل الذي لا تنطوي عليه إمكانات الحاضر ليس مشروعاً، بل مجرد أمنية عاجز. وكل وعي بمستقبل غير عقلي واقعي ممكن هروب من الحاضر، وليس مشروعاً لحاضر أبداً.
أما إذا حملت مصادفة مزعجة التاريخ على ما ليس عقلياً فتلك الطامة الكبرى.