فراس علاوي لـ «نينار برس»: العدالة الانتقالية مفتاح الاستقرار.. واللامركزية الإدارية الطريق لاحتواء غضب الشارع

0 37

بين مطالب العدالة وتحديات بناء الدولة… هل تستطيع المؤسسات القوية أن تغني السوريين عن اللجوء إلى الاحتجاج؟

مع اتساع النقاش السوري حول مستقبل الدولة بعد سقوط النظام السابق، تعود الاحتجاجات الشعبية في بعض المناطق إلى واجهة المشهد، حاملة معها أسئلة تتجاوز المطالب الخدمية أو الاقتصادية المباشرة، لتلامس ملفات أكثر عمقاً تتعلق بالعدالة الانتقالية والمحاسبة والعلاقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

ففي مرحلة ما بعد التحولات الكبرى، لا يُنظر إلى الحراك الشعبي بوصفه مجرد رد فعل آني على حدث أو قرار، بل باعتباره مؤشراً على طبيعة العلاقة بين المواطنين والسلطة، وعلى قدرة الدولة الجديدة على بناء الثقة والاستجابة للمطالب العامة ضمن إطار مؤسساتي وقانوني.

في حديث خاص لـ “نينار برس”، يرى الكاتب السياسي والإعلامي السوري فراس علاوي أن الاحتجاجات التي شهدتها محافظة دير الزور ومناطق سورية أخرى خلال الفترة الأخيرة تعكس واقعاً مجتمعياً ما زال يحمل آثار سنوات طويلة من الصراع والانقسام، مؤكداً أن العدالة الانتقالية تمثل المدخل الأساسي لأي استقرار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي مستدام.

احتجاجات دير الزور.. مجتمع لم يتعافَ بعد:

يقرأ علاوي تصاعد الحراك الاحتجاجي في دير الزور وبعض المناطق السورية بوصفه انعكاساً مباشراً لاستمرار الانقسام داخل المجتمع السوري وعدم تعافيه الكامل من آثار السنوات الماضية.

ويقول:

“تصاعد الحراك الاحتجاجي في محافظة دير الزور وكفرنبل وغيرها من المناطق هدفه الأساسي التعبير عن حالة الانقسام المجتمعي، فالمجتمع السوري حتى اللحظة لم يتعافَ.”

ويرى أن هذا الانقسام يظهر في المواقف المتباينة تجاه الدولة والحكومة الجديدة، وكذلك في النظرة إلى النظام السابق والثورة السورية وما شهدته البلاد من أحداث ومجازر خلال السنوات الماضية.

ويضيف:

“هناك انقسام واضح ما بين الموقف من الدولة، والموقف من الحكومة الجديدة، والموقف من النظام الأسدي البائد، والموقف من الثورة، والموقف من التاريخ، والموقف مما حصل من مجازر.”

وبحسب علاوي، فإن هذا الواقع يجعل أي ظهور أو إعادة تقديم لشخصيات مرتبطة بالنظام السابق أو متهمة بالمشاركة في الانتهاكات سبباً مباشراً لإثارة ردود فعل شعبية واعتراضات واسعة.

ويقول:

“أي ظهور لأي شخصيات مؤيدة للنظام السابق، أو شخصيات معروفة بأنها كانت مجرمة، أو يراها المجتمع السوري الحر جزءاً من النظام السابق، سوف يحدث نوعاً من الاحتجاجات ضد وجودها أو ظهورها.”

ويؤكد أن بطء مسار العدالة الانتقالية يسهم أيضاً في تغذية هذه الحالة.

ويضيف:

“بطء مسار العدالة الانتقالية يتسبب في مثل هكذا احتجاجات.”

العدالة الانتقالية… المطلب الأول للشارع السوري:

ورغم تنوع المطالب المطروحة اليوم بين فرص العمل والخدمات والتنمية المحلية وإعادة توزيع الصلاحيات، يرى علاوي أن هناك مطلباً يتقدم على بقية المطالب ويتمثل في تحقيق العدالة الانتقالية.

ويقول:

“المطالب متنوعة بسبب تنوع المجتمع السوري، ومن الطبيعي ألا يكون مجتمعاً بلون واحد.”

لكنه يضيف:

“أعتقد بأن المطلب الأساسي للشارع السوري هو تحقيق العدالة الانتقالية.”

ويرى أن أهمية العدالة الانتقالية لا تقتصر على بعدها الحقوقي أو القضائي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار العام.

ويشرح:

“تحقيق العدالة الانتقالية يعني استقراراً مجتمعياً، ومن الاستقرار المجتمعي تنطلق جميع التجارب الإدارية وجميع التجارب التي من مهمتها النهوض بالمجتمع اقتصادياً وسياسياً وأمنياً.”

ويشدد على أن أي عملية تنمية أو بناء مؤسسات أو استقرار سياسي تبقى مهددة ما لم تتم معالجة الجروح العميقة التي خلفتها سنوات الصراع.

ويقول:

“تحقيق العدالة بشكل حقيقي يؤدي إلى استقرار المجتمع، واستقرار المجتمع يؤدي إلى استقرار سياسي واقتصادي وازدياد معدلات التنمية وعودة الحياة السياسية التي افتقدها السوريون.”

من الشارع إلى المؤسسات… كيف يمكن احتواء الحراك؟

وحول كيفية تحويل الاحتجاجات من حالة ضغط شعبي إلى مسار إصلاحي داخل مؤسسات الدولة، يؤكد علاوي أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الحكومة.

ويقول:

“تحويل الحراك يتم من خلال استجابة الحكومة، وعلى الحكومة أن ترى بأن هذا الحراك مهم جداً.”

ويرى أن التعامل مع الاحتجاجات بوصفها تعبيراً عن حيوية المجتمع ومطالبه أفضل بكثير من تجاهلها أو التقليل من أهميتها.

ويضيف:

“يجب الاستجابة له والتعامل معه على أنه حالة مجتمعية وحراك مجتمعي حي.”

ويحذر في المقابل من أن تجاهل المطالب الشعبية قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

ويقول:

“إذا تم التغافل عنه فإنه ربما سيتصاعد.”

لذلك يرى أن المطلوب هو تقديم حلول واقعية تلتقي مع تطلعات المواطنين وتساهم في إعادة بناء الثقة بين الشارع والدولة.

ويضيف:

“على الحكومة أن تعمل على منع تصاعد هذه الاحتجاجات من خلال تقديم حلول ومقترحات تلتقي مع متطلبات الشارع في نقطة ما، وبالتالي تساهم في إعادة صياغة العلاقة معه.”

اللامركزية الإدارية… صيغة متوازنة بين المركز والأطراف:

وفيما يتعلق بالنموذج الأنسب لإدارة العلاقة بين المركز والمناطق المحلية، يطرح علاوي رؤية تقوم على توسيع صلاحيات الإدارات المحلية ضمن إطار الدولة الواحدة.

ويقول:

“أعتقد أن النموذج الأنسب لإدارة العلاقة بين المركز والمناطق المحلية هو اللامركزية الإدارية، وليس اللامركزية السياسية، وهناك فرق.”

ويشرح أن المقصود بذلك منح المناطق صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها الخدمية والاقتصادية والإدارية، مع بقاء القرار السياسي والسياسات العامة بيد الدولة المركزية.

ويضيف:

“إعطاء الأطراف حرية الإدارة بما يتعلق بالأمور الخدمية والأمور الاقتصادية المحلية والأمور الإدارية والقانونية، والتعامل معها على أنها وحدات إدارية شبه مستقلة إدارياً، بينما تدار سياسياً من قبل المركز.”

ويرى أن هذه الصيغة تتيح للمناطق الاستفادة من إمكاناتها المحلية وتطوير مواردها بصورة أفضل، خاصة في المناطق التي تعرضت للتهميش أو الدمار خلال سنوات الحرب.

ويقول:

“إعطاء مساحة أوسع للإدارات المحلية داخل الحكومة، بحيث تدير هذه المناطق بما تملكه من مؤهلات إدارية واقتصادية واجتماعية نفسها بنفسها.”

كما يدعو إلى منح المجتمعات المحلية دوراً أكبر في الاستفادة من عائداتها الاقتصادية بما يساعد على تنمية المناطق المتضررة وإعادة تأهيلها.

ويضيف:

“إعطاء مساحة من التنوع الاقتصادي والعائدات الاقتصادية في هذه المناطق لأهل تلك المناطق ومن أجل تنميتها، وخاصة الأطراف المهمشة والتي تعرضت للدمار بشكل كبير.”

هل تسبق المؤسسات غضب الشارع؟

تكشف الاحتجاجات التي شهدتها بعض المناطق السورية أن المجتمع ما زال يحمل أسئلة مفتوحة حول العدالة والمحاسبة وشكل الدولة المقبلة. وبينما يرى فراس علاوي أن العدالة الانتقالية تمثل المدخل الرئيسي للاستقرار، فإنه يربط نجاح المرحلة الجديدة أيضاً بقدرة الدولة على الاستجابة للمطالب الشعبية وتطوير نموذج إداري يمنح المجتمعات المحلية دوراً أكبر في إدارة شؤونها.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على المرحلة المقبلة:

هل تنجح المؤسسات السورية الجديدة في بناء الثقة والاستجابة للمطالب قبل أن تتحول الاحتجاجات إلى البديل الوحيد للتعبير عن الغضب الشعبي؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني