ضريبة…

0 15

أخيراً تقاعدتُ… وصلتُ خطَّ النهاية للوظيفة. احتفلتُ والزملاء… جمعتُ أشيائي وهممتُ بالمغادرة حين سألني «غيث»: ماذا ستعمل…؟ وكيف ستُجزي الساعات؟!

سأجلس إلى الطاولة في صدر المكتبة أتفرّس في الجدران حيث تنضّدت على الرفوف مئات الكتب المتنوعة في الأدب شعراً ونثراً، وفي فنون شتّى، والمجلات والدوريات. تطوف عيناي عليها… أستذكر العناوين، وأحاور شخوص الروايات وهي تروي حكايات لا تنتهي لأمم وشعوب تقصّ أحلاماً ورؤى مجتمعات مؤلفيها، أو الأفكار المتباينة في الفلسفة والعلوم وغيرها… فلا أشعر بالوحدة، وأنسى نفسي هائماً في رحابها لا ينتابني ملل من التجوال عبر الصفحات…

لقد كنتُ أنتظر تلك الفرصة قبل إحالتي على المعاش بسنوات كثيرة، ويحرمني العمل في مراجعة الأوراق والمشاريع، ويلاحقني بعضها إلى المنزل؛ فيستهلك الوقت، ولا يدع لي إلا القليل لأعيش بعض الهدوء وقسطاً من الراحة لأقرأ بضعة فصول من كتاب، أو قصائد تدغدغ أنامل صورها مخيّلتي فأنتشي بها قبل أن أخلد للنوم.

والآن بعد أن انزاحت هموم الوظيفة عن كاهلي فليس هناك لذّة تعادل تصفّح كتاب يغنيني بمطالعته، ولا يبخل عليّ بما حوى صدره من روائع دُرَر كنوزه، لا يعاتبني إن أبعدته، ولا يخاصمني إن أهملته. يسامح ولا يلوم، ألجأ إلى دوحته الوارفة كلّما ضاقت دنياي أشكو له، وأبثّه ما يعتلج في حناياي ليفرّج عسرها فأرتاح… وستصير المكتبة ملاذي الأثير، أقضي بها جلّ الصباحات في تدبيج مقالة أو خاطرة أنفّس عمّا يجيش في صدري. أمّا الأمسيات فأسامر كاتباً وأنا أتصفّح ما جادت به قريحته إلى ساعة متأخرة…

أيقظتني زوجتي وهي تربّت على كتفي: لقد تأخّرتَ… ما بك؟ شددتُ اللحاف فوق رأسي وأنا أرتجف برداً، وفي أذني يطنّ اصطكاك أسناني بينما تترصّدني حمّى تنهال عليّ بسياط حرارتها، ويتناهى إلى سمعي هزيمُ الرعدِ قوياً، والسماء تعول ممطرة بغزارة، وصفيرُ ريحٍ تصفق النوافذ بلا رحمة، في غرفة متواضعة تكاد تخلو من وسائل الرفاه؛ تعبق الرطوبة في جنباتها، ويتسلّق العفن حيطانها، وهذيان يأخذني بعيداً حين سمعتُ صوتها يتقطّع على الهاتف: زوجي حالته صعبة، أرجو ألا تُبطئ سيارة الإسعاف…

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني