البطالة أم المصائب السورية

0 9

تنويه:

لا أريد أن أبدو كأنني في خصومة مع السلطة، ولكنه يصعب عليّ الصمت أمام الخطأ، في الاقتصاد على الأقل.

1- المسكوت عنه – البطالة المرعبة

دعونا نتكلم بصراحة وشفافية إن البطالة الواسعة التي يضعها بعض المختصين بحدود 50% من القوى العاملة عام 2026، هي نسبة عالية ومرعبة جداً. وأغلب هؤلاء العاطلين يعملون في مهن ضعيفة جداً في اقتصاد الظل الفوضوي غير المنظم بأجور زهيدة بالكاد تكفي لشخص واحد، فكيف بمن لديه أسرة!

والبطالة الواسعة هذه نتيجتها هي تدمير ما تبقى من المجتمع السوري، بعد دمار النظام البائد. والحكومة الانتقالية المسؤولة قد فشلت فشلاً ذريعاً، وتتصرف كأنها حكومة غريبة عن البلد (ولا يغفر لها البهرجة والزخرفة الإعلامية في مواضيع هامشية في العاصمة) في حل المشكلة الاقتصادية المتفاقمة التي انحدر بسببها معظم السوريين إلى حفرة الفقر والجوع والإهمال.

2- شلل حكومي رهيب

اقتصادياً تعاني هذه الحكومة من شلل فكري وإداري رهيب. لا يوجد أي نشاط حكومي لإعادة الإعمار بالمرة، ولا خطة للنهوض الاقتصادي، إذ إنه لا يزال معدل النمو قريباً من الصفر إلا في بؤر مرتبطة بأعمال الاستثمار الفاسد للأغنياء. ولو سألنا أي مراقب خارجي خبير عن الحالة فإنه سوف يتهم هذه الحكومة بالتقصير الشنيع.

مظاهر الاقتصاد السوري اليوم تقول إنه اقتصاد الظل (أي إنه غير منظم وفوضوي بالكاد يفي بالبقاء على قيد الحياة لشريحة واسعة من المسحوقين) وحالة جمود اقتصادي عام (stagnation) مصحوبة بغلاء فاحش، أي تضخم مفرط (Hyper-Inflation)

وهذا الوضع الاقتصادي أدى إلى انتشار الفقر المدقع لنحو 80% من السوريين. ولو بسطنا الأمر، لوجدنا أن ظهور البطالة الواسعة هو أحد أخطر الأعراض المرضية للاقتصاد التي تعبر عن تلك المصائب القائمة اليوم، بعد سقوط النظام البائد. الخلاصة هنا، إن الحكومة تبدو فعلاً مشلولة عن تقديم أي خطة أو أي رأي منطقي ينقذ البلد من واقعه المر.

3- ما هي حلول البطالة؟

هناك وسائل كثيرة في الاقتصاد لخلق فرص العمل وتخفيض نسبة البطالة، وذلك من خلال الاستثمار، ومن خلال مبادرات الأفراد، وكذلك الاستثمار الحكومي. ولكن في وضع سورية الحالي لا يجوز الانتظار لعامل الزمن فقط، بل يجب على الحكومة أن تتدخل وتبادر فوراً للإسراع بحل مشكلة البطالة، ولو جزئياً. وحل مشكلة البطالة يعني حل أغلب المشاكل الاقتصادية بالتبعية.

سوف نركز هنا على البطالة حصراً لأنها الوسيلة المباشرة لحل مشكلة البلد. إذا استطعنا تخفيض نسبة البطالة إلى النصف خلال عامين مثلاً فإننا حتماً سوف ننتشل كثيراً من الناس من حفرة الفقر والجوع، وسوف نزيد فرص العمل، وسوف يزداد معدل النمو الاقتصادي، وبالتالي سوف تكون الحكومة مرتاحة ومستقرة، والبلد في سلم مع نفسه.

ومن خبرتنا نرى أن هناك مسارين اثنين سريعين لحلول البطالة هما:

3- أولاً: المسار المؤسسي لفرص العمل

وهذا يعني أنه على الحكومة تفعيل مؤسسات البطالة وعلى رأسها هيئة مكافحة البطالة التي لا تزال قائمة بتجربتها وأسلوبها الأصلي المميز في الاستثمار وخلق فرص العمل. وهذا التفعيل هو أسرع وأرخص وسائل خلق فرص عمل للعاطلين وزيادة معدل النمو الاقتصادي، وبالتالي تسريع النهوض الاقتصادي لكل البلد. طبعاً يحتاج هذا المسار إلى ضخ أموال كثيرة من قبل الدولة لتمويل هذه الأعمال. ومن تجربتنا السابقة فإن أغلب رؤوس الأموال هذه مستردة وتعود إلى الخزينة. وهناك مصادر تمويل دولية سهلة وميسرة يمكن الحصول عليها بدون تنازلات سياسية محرجة. أما تأثيرها على الاقتصاد الوطني فهو هائل وباقٍ ويمتد.

3- ثانياً: المسار الحر لفرص العمل

وهو المسار الحر المدعوم حكومياً بصورة غير مباشرة من قبل النظام المصرفي والضرائب الذي يناسب المنشآت الصغيرة والمتوسطة من المستثمرين الوطنيين. وهم الكتلة الرئيسية التي ستقود النهضة الاقتصادية. لا أتوقع مشاريع ضخمة استثمارية وطنية أو أجنبية في المدى المنظور في هذا المجال قبل أن تستقر سورية اقتصادياً وسياسياً. وهذه المشاريع بطبيعتها تقوم على مشاريع كثيفة العمالة، أي إنها تخلق فرص عمل كثيرة أكثر من المشاريع الضخمة بذات المبلغ.

4- زبدة الكلام

حان الوقت لهذه السلطة أن تخرج من شرنقتها التي تكاد تخنقها، وأن تتواصل مع شعبها السوري المسحوق.

خلق فرص عمل جديدة مباشرة هو أول إشعار من الحكومة بأنها جزء من هذا الشعب وليست قوة احتلال لا تعبأ بمصائبه. وسورية لديها تجربة مميزة في التدخل الحكومي لخلق فرص عمل مباشرة وسريعة، وعلى رأسها هيئة مكافحة البطالة بقانونها الأساسي العام الشامل، والتفويض السياسي والاقتصادي المرن لعملها.

إنها خاطرة قصيرة، لكن معانيها عميقة لو تدركون.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني