
تحالف تركي سعودي باكستاني قابل للزيادة.. فماذا عنه؟
نعم لقد تم التحالف فعلاً، وحدث كما تمنينا وتوقعنا، وكنّا نحن العرب نتمنى ذلك لإنشاء رادع أمام التمدد الإيراني والتغول والغطرسة الإسرائيلية، ولكي يصبح التحالف رقماً صعباً ومنيعاً، لكن لماذا وكيف توقعنا حدوث ذلك؟ إن ذلك لعدة أسباب وسيتضمن الإشارة إليها ما سوف نقوله بخصوص هذا التحالف:
لقد اندلعت الحرب في أوكرانيا فتسببت فوراً بنسف التوافق الدولي وأنهت التوليفة أو البرمجة التي كانت تحكم سيرورة النظام الدولي، فقد كان هناك تفاهم وتوظيف وتخادم وتقاسم للمصالح بنسب تساوي نسبب القوة والنفوذ، فانقلب الأمر إلى تصادم وتزاحم وانزياحات واستقطاب ومناورات ومحاولات لتغيير التوازنات فجاء الرد الأمريكي – والأمريكان هم الطرف واللاعب الأقوى الذي يمتلك أوسع الخيارات وأقوى الأوراق والأدوات لصناعة القرار – فقرر الأمريكان مايلي:
1- ضرب وإضعاف وتحجيم إيران الملالي وتقليم أظافرها وتقليص حلفائها وذلك لسبب أساسي وهو حرمان روسيا من مشروع حليف، وإيران يمكن أن تساعد روسيا في حرب أوكرانيا كما أنها قريبة من الشرق الأوسط والخليج العربي فتم إضعاف إيران وتحجيمها فعلاً.
2- وبسبب هذه الحرب اضطر الأمريكان إلى التقارب مع تركيا ومزاحمة روسيا في التحالف والتعاون معها.
3- هذه الحرب، حرب عالمية – وإن لم تصل بعد إلى درجة غير التقليدية – وهي بالأصل ضد الصين مع روسيا – ولو أن هذا حتى الآن بشكل غير مباشر – والحرب ضد الصين تتمثل ويتم اختصارها بالعمل على تحجيمها اقتصاديّاً وذلك بعرقلة تجارتها وكبح انفتاحها وعرقلة تواصلها وطرقها مع عديد من الدول وخاصة دول القارة الأوربية وأيضاً دول غرب آسيا وكذلك وشمال وغرب أفريقيا، وهذا الهدف الأمريكي الكبير يتطلب في منطقة الشرق الأوسط ضبط وتيرة وطاقة الطرق التجارية بين آسيا وأوروبا التي تخدم وتفيد الصين، وقد تصادف هذا وتعارض مع مخطط وتوجه إسرائيلي بتأسيس وفتح هذا الطريق من خلال إسرائيل وتحت سيطرتها وفق مصالحها الّلامحدودة والّلامنضبطة.
والآن، بعد كل هذه الأحداث والمتغيرات المتشعبة فإن من جملة ما حدث هو مبادرة تركيا إلى إنشاء تحالف مع دول أخرى، وبالطبع فإن أفضل الخيارات وأقربها إلى الواقعية وأصلحها وأكثرها قبولاً للتطبيق هي الدول العربية والإسلامية، ومصالح هذه الدول ورؤيتها تدفع إلى تأسيس تكتّل أو تحالف، ذلك لأن الصراع الدولي له بالضرورة تداعياته الإقليمية، ولأن إنهاء إيران وإلغاء أدوارها سيُحدث في نظر اللاعبين فراغاً، وقد حدث خلل في التوازنات الإقليمية وضع المنطقة أمام خيارين: فإما سوف يتم استغلاله من جانب طرف قوي وفرض واقعٍ لا يقلّ سوءاً وإمّا سيبادر الأمريكان إلى إعادة رسم الخرائط وهندسة توازن القوى، وكل ذلك يعارض ويعادي مصالح هذه الدول، ولذلك بادر الأتراك بالتواصل والحوار والتفاهم مع المملكة العربية السعودية ثم تم انضمام الباكستان وبهذا فقد حصل تحالف وتكافل بين القوة العسكرية والصناعية والتقنية التركية وبين قوة الاقتصاد ورأس المال السعودي مع السلاح النووي الباكستاني إضافة إلى القوة البشرية للدول الثلاث.
ويجب الإشارة والتأكيد بأن هذا التحالف ترتاح له أمريكا وتشجعه أو بالطبع لا تمانعه وتعيقه، ولقد أطلنا المقدمة بما أسلفنا قوله لكي نشرح دوافع ومبررات الأمريكان للتدليل على تشجيعهم للتحالف حيث تركيا هي بوابة أوروبا والجسر بينها وبين آسيا والصين والباكستان هي في قلب آسيا ومتاخمة للصين والهند ومركز ثقل للتوازنات والتموضعات المحتملة لصالح أقطاب دولية مناوئة، والسعودية هي مركز ثقل الدول العربية النفطية، وللدول الثلاث مواقعها الجغرافية الحساسة والهامة، ولذلك فإننا نتوقع أن يتمدد التحالف ليشمل مصر وسيكون ذلك بدعم أمريكي لأن مصر تتحكم بقناة السويس ومن الممكن أن تكون نداً لإسرائيل.
وقد أصبح تحجيم إسرائيل أو ضبطها هو مطلب لدول التحالف وللأمريكان أيضاً، خاصة إذا فاز اليمين الإسرائيلي المتطرف بالسيطرة على الحكم بمشاريعهم المتعارضة مع الأمن القومي لدول المنطقة ومع مصالح الأمريكان.
وبالإجمال: فإن التحالف (اتفاق مكة) سيكون قوة حقيقية فعّالة وسوف تتم معاهدات دفاع مشترك وتنسيق عسكري ويتم تطوير صناعات عسكرية مشتركة، ما سيردع اسرائيل ويكبح تغولها ويبطل مخططاتها ومشاريعها، أما إيران فإنها في الواقع قد انتهت وانتهى تهديدها، وكل التصريحات والإعلام الأمريكي الذي يصوّر الأوضاع غير ذلك، فهو مجرّد مناورات سياسية بهدف تبرير الهجمات والضربات الأمريكية ضد إيران وهي حليف سابق، وكذلك بهدف ابتزاز الدول الاخرى بما فيها دول أوروبا وإظهار حاجة الجميع للحماية الأمريكية.
ولذلك، بعد الاضطرار إلى تدمير القوة الإيرانية، تم الإبقاء على بعض التهديد في مضيق هرمز وميليشيات الحوثي وتهديدها بإغلاق باب المندب، ولكن هذا سيكون مسقوفاً بمدة محدودة لأن إبقاء ذلك دائماً يتعارض مع استراتيجية أمريكا ومع مصالح الدول التي تشكل مصالحها جزءاً من هذه الاستراتيجية.