شتّان..

0 16

كم تريد؟ قالتها همساً وهي تفك عقدة “فوطتها”* بيدين مرتجفتين لتفرج عمّا جمّعته من ليرات ورقيّة طوتها بعناية، فردّ الصيدليّ: لا عليكِ، لقد دفعها الطبيب يا جدّتي. شكرته واستدارت تمشي بظهرها المحني تتوكأ على عصاها، وتتمتم بالدعاء… شيّعتها عيناي حتى توارت بين المارة… إنّها تلك العجوز التي شاهدتها قبل قليل في عيادة “أبي الفقراء” كما يسمّونه. امرأة عركتها الأيام والسنون، واستنزفت قواها، وتركتها على الرمق الأخير جسداً متهدّماً ما زال يتحرك بما تبقّى لها من شحّ قوة تتشبث بحياة لا تُغبط عليها ولا تُحسد. تناولت دوائي وخرجت… وما كنت أظنّ أنّي سألتقيها ثالثة في السوق تجرجر رجليها غير عابئة بما يدور حولها، ويتتبعها طفلان لم يتجاوزا سن الحلم. استثارت حركاتهما شكوكي، تقدما منها، وبسرعة أمسك أحدهما بطرف الفوطة.. قصّه وانطلقا، صرخت بهما فولّيا هاربين، ولاذا بالفرار. ركضت خلفهما فلم أستطع اللحاق بهما، وغيّبهما الزقاق، ولم أعثر على أثر للشقيين. توقّفت باحثاً…، سألت عنهما رجلاً يقف عند ناصية الشارع فأجاب بالنفي، ولم تعجبني نظراته ولا نبرة صوته وازداد الشك داخلي. حاولت أن ألتقط أنفاسي وأنا أتابعها تسير بخطوات متثاقلة كأنها سلحفاة تخطو فوق رمال… تأوّهت من رذالة العمر، ولعنت الفقر، والفساد والمفسدين، ومَن أورثهما وشجّع على انتشارهما حين رأيت رجال الأمن يدفعون الصغيرين أمامهم وهما مصفّدان؛ بينما ذاك القابع عند الزاوية طليق يبتسم.

وهي تبتعد وسط الزحام أخذ حجمها يتضاءل ويتلاشى رويداً رويداً ثم غاب عن ناظري، وبقيت صورتها مطبوعة في الذاكرة. عندها تذكّرت كلمات جدّي: “عندما تفسد الأخلاق تمرض الضمائر، وتغيب العدالة. الهوامير يحميها القانون، والصغار تعلق في الشبكة.”


*فوطتها: عامية تعني مئزرها

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني