أمريكا وإيران.. الاحتواء والردع والمصلحة

0 1٬012

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى صراعاً صفرياً بين خصمين لا يلتقيان. لكن قراءة تاريخ العلاقة تكشف أن السياسة الأمريكية لم تُبنَ يوماً على هدف إسقاط إيران، بل على منعها من التحول إلى قوة مهيمنة مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازن إقليمي يخدم المصالح الأمريكية. فخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، دعمت واشنطن العراق سياسياً واستخباراتياً لمنع انتصار إيران، لكنها في الوقت ذاته كشفت فضيحة إيران – كونترا عن بيع أسلحة سرية لطهران عبر وسطاء، في واحدة من أكثر المفارقات إثارة في السياسة الأمريكية. لم يكن الهدف دعم إيران، بل منع انتصار أي طرف بصورة حاسمة، والإبقاء على توازن يمنع ظهور قوة إقليمية منفردة. وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وجدت الولايات المتحدة وإيران نفسيهما في خندق واحد ضد نظام طالبان في أفغانستان، ثم تقاطعت مصالحهما بصورة غير مباشرة في مواجهة تنظيم داعش في العراق. هذه المحطات لا تعني وجود تحالف بين الطرفين، لكنها تؤكد أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق العداوات الدائمة، بل بمنطق المصالح المتحركة.

يرى بعضهم أن استمرار التوتر الأمريكي الإيراني أصبح يخدم الطرفين سياسياً. فالولايات المتحدة تجد في التهديد الإيراني مبرراً للإبقاء على قواعدها العسكرية في الخليج، وتعزيز مبيعات السلاح، والحفاظ على دورها كضامن للأمن الإقليمي. وفي المقابل، يجد النظام الإيراني في العدو الأمريكي وسيلة لتعزيز تماسكه الداخلي، وتبرير سياساته الأمنية، وتقديم نفسه بوصفه رأس محور المقاومة المفترض. وهكذا أصبح التصعيد، في كثير من الأحيان، أداة لإدارة الصراع أكثر منه مقدمة لحسمه. وهذا لا يعني وجود تنسيق سياسي دائم بين الطرفين، بل يعني أن كلاً منهما استطاع توظيف وجود الآخر لتحقيق أهداف داخلية وإقليمية، وهو ما يفسر كيف بقي الصراع محتدماً لعقود دون أن يتحول إلى حرب شاملة.

في هذا السياق، يبقى البرنامج النووي الإيراني القضية الأكثر حساسية في العلاقة بين البلدين، لأنه يتعلق مباشرة بتوازن القوى في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى المشروع النووي بوصفه برنامجاً تقنياً فحسب، بل تعتبر أن امتلاك إيران لسلاح نووي أو وصولها إلى قدرة عسكرية نووية سيغيّر ميزان القوى الإقليمي، ويدفع دولاً أخرى إلى السعي لامتلاك القدرات نفسها، بما يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي في المنطقة. ولهذا لم تختلف الإدارات الأمريكية في الهدف، بل في الوسائل. فإدارة باراك أوباما سعت إلى تقييد البرنامج عبر الاتفاق النووي، بينما انسحبت إدارة دونالد ترامب منه واعتمدت سياسة العقوبات القصوى، ثم حافظت لاحقاً على الضغوط الاقتصادية مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً إذا اقتربت إيران من تجاوز العتبة النووية. إن الملف النووي يمثل، في الحسابات الأمريكية، الخط الأحمر الأهم، إذ يمكن التفاوض حول ملفات النفوذ الإقليمي، لكن امتلاك إيران لقدرة نووية عسكرية يبقى أمراً تعتبره واشنطن غير قابل للتفاوض.

وتكشف التجارب التاريخية أن الولايات المتحدة تتعامل مع ملفات الشرق الأوسط من منطلق مصالحها الاستراتيجية فقط. فعندما تتعارض مصالح الحلفاء في المنطقة مع الأولويات الأمريكية، تكون الكفة غالباً للمصلحة الأمريكية. وقد شعر كثير من الحلفاء العرب بخيبة أمل في محطات مفصلية، سواء بعد الهجمات على المنشآت النفطية الخليجية، أو خلال التفاوض مع إيران بشأن ملفها النووي، أو في طريقة إدارة الأزمات الإقليمية. وفي كل مرة كانت الرسالة الضمنية واحدة. واشنطن مستعدة لحماية مصالحها أولاً، أما مصالح الحلفاء فتأتي في المرتبة التالية إذا انسجمت مع تلك المصالح. ولهذا لم يعد مستغرباً أن تتجه دول عربية عديدة إلى تنويع شراكاتها مع قوى دولية أخرى، إدراكاً منها أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد يوفر الضمانات التي كان يوفرها في العقود السابقة.

ولعل الدرس السوري الأكثر وضوحاً لمقاربة الاحتواء وادارة التوازن. فخلال سنوات الثورة، لم يكن الهدف الأمريكي إنهاء النفوذ الإيراني بصورة كاملة، كما لم يكن القبول به مطلقاً، بل إدارة مستوى هذا النفوذ بما يمنع اختلال التوازنات الإقليمية ويحافظ على حرية الحركة الأمريكية. وفي الوقت نفسه، كانت الأولوية الأمريكية تتبدل وفق الملفات الأكثر إلحاحاً، من مكافحة الإرهاب إلى أمن إسرائيل، ثم إلى احتواء روسيا وإيران، دون أن تهتم بتغيير نظام الأسد أو بناء الدولة السورية.

في النهاية، تكشف التجربة الممتدة منذ عام 1979 أن العلاقة الأمريكية الإيرانية ليست حرباً مؤجلة، ولا سلاماً مؤقتاً، بل نموذجاً لإدارة الصراع في النظام الدولي. فواشنطن لا تسعى إلى القضاء على إيران بقدر ما تسعى إلى منعها من الانتصار، وطهران لا تبحث عن مواجهة وجودية مع الولايات المتحدة بقدر ما تستثمر استمرار الصراع لتعزيز مكانتها الإقليمية. أما الدول العربية، فقد أدركت تدريجياً أن أمنها لا يمكن أن يبقى رهينة قرارات تصنع في واشنطن. فالقوى الكبرى لا تبني سياساتها على الوفاء للحلفاء، بل على حسابات القوة والمصلحة. ومن هنا، فإن بناء القدرات الذاتية، وتعزيز التكامل العربي، وصياغة سياسات مستقلة، لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية في عالم تحكمه المصالح المتحركة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني