الناقل الوطني السوري بين الرمزية والواقع

0 26

الطيران المدني ليس قطاع خدماتي فحسب، بل هو واجهة الدولة، وشريانها الاقتصادي، وأحد أهم أدوات ربطها بالعالم. وحين نقف أمام حالة المؤسسة السورية للطيران اليوم، فإننا لا نواجه مجرد شركة طيران تعاني تعثراً مالياً أو تشغيلياً عابراً، بل نشهد انكشافاً كاملاً لتراكمات عقود من الخيارات الخاطئة، والغياب شبه المطلق للفكر الاستراتيجي في إدارة واحد من أهم مرافق الدولة السيادية والاقتصادية.

يكتسب قطاع النقل الجوي في سورية أهمية مضاعفة بحكم الموقع الجغرافي الذي يضع سورية في قلب طرق الملاحة الجوية بين الشرق والغرب، وبحكم حاجة مرحلة إعادة الإعمار إلى جسور جوية تنقل المستثمرين والخبرات والبضائع. من هذا المنطلق، فإن السؤال عن كيفية وصول المؤسسة السورية للطيران إلى حالتها الراهنة ليس سؤالاً روتينياً بقدر ما هو مفتاح ضروري لفهم طبيعة الأزمة، وتقدير حجم الجهد المطلوب للخروج منها، قبل أن يتحول الناقل الوطني إلى ذكرى في أرشيف الطيران العالمي.

ثمة وهم شائع مفاده أن العقوبات الدولية هي السبب الوحيد أو الرئيس لما آلت إليه المؤسسة السورية للطيران، والحقيقة أن العقوبات لم تكن سوى المُعجّل الذي كشف هشاشة بنيان كان متصدعاً قبلها بسنوات. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، كانت المؤسسة تعاني من علتين مزمنتين: الترهل الإداري الحكومي، والاعتماد على إرث تكنولوجي سوفيتي تجاوزه الزمن. حين اتخذ قرار تحديث الأسطول جزئياً بالانتقال إلى طائرات إيرباص، بدا القرار في ظاهره صائباً، لكنه ارتُكب دون موازاة ذلك ببناء نظام دعم لوجستي متكامل، فلا ورش الصيانة الثقيلة جهزت للتعامل مع التكنولوجيا الأوروبية الحديثة، ولا الطواقم الفنية تأهلت بالشكل الكافي، ولا عقود التموين بقطع الغيار أبرمت على أسس تجارية مستدامة. كانت النتيجة أسطولاً هجيناً مشوهاً: طائرات سوفيتية هرمة تستنزف الوقود وتفتقر إلى أنظمة السلامة المحدثة، إلى جوار طائرات إيرباص تتحول تدريجياً إلى هياكل عاطلة مع كل عطل طارئ لا تجد له المؤسسة حلاً لوجستياً.

ومع اندلاع الثورة السورية في بدايات العام 2011، انهارت المعادلة الهشة أصلاً. فُرضت عقوبات قطعت الطريق أمام المؤسسة للحصول على التأمين الجوي الدولي، وأغلقت أمامها أسواق القطع والأعمال الفنية، بل إن مجرد تحويل الأموال لشراء قطعة غيار صغيرة بات عملية شبه مستحيلة في ظل النظام المصرفي العالمي. لكن الأخطر من العقوبات ذاتها كان الاستجابة المؤسسية لها، إذ سادت عقلية البقاء بدل عقلية إدارة الأزمة. تحولت المؤسسة من كيان يفترض أن يكون تجارياً إلى أداة سياسية، تُسيّر رحلاتها وفق اعتبارات لا علاقة لها بالجدوى الاقتصادية، وتُعتمد في تأمين قطع الغيار على قنوات ملتوية محفوفة بالمخاطر القانونية والفنية، وتُدار مواردها البشرية بمنطق الشح والتقشف العقابي. في هذه البيئة الخانقة، لم يكن غريباً أن تبدأ موجة الهجرة الكبرى للكفاءات: طيارون ومهندسون ومراقبون جويون وفنيو صيانة، وجدوا في شركات الخليج وأوروبا وآسيا ما يليق بخبراتهم من تقدير مادي ومهني، تاركين وراءهم مؤسسة تفرغ من دمها الفني شيئاً فشيئاً.

ما بعد التحرير وقعنا في أخطاء استراتيجية في لحظة مفصلية

جاءت لحظة التحرير في نهاية العام 2024 حاملة معها فرصة تاريخية نادرة لإعادة تعريف دور الناقل الوطني وإصلاح ما تراكم من أعطاب. غير أن الإدارة الجديدة التي تسلمت زمام القطاع أهدرت هذه الفرصة، وارتكبت سلسلة من الأخطاء التي يمكن توصيفها بأنها حوّلت الأزمة المزمنة إلى خطر وجودي داهم.

الخطيئة الأولى:

تمثلت في إعادة فتح مطار دمشق الدولي أمام شركات الطيران منخفضة التكلفة دون أن يسبق ذلك أي دراسة تشغيلية أو اقتصادية تحمي الناقل الوطني. المبرر السياسي لهذا القرار كان واضحاً، وهو الرغبة في إظهار عودة الانفتاح وكسر العزلة، لكن آثاره على المؤسسة السورية للطيران كانت كارثية. لقد سُمح لأساطيل حديثة، مدعومة بأنظمة حجز إلكترونية متطورة وشبكات تسويق عالمية وتكاليف تشغيل منخفضة، بدخول السوق السوري مباشرة، بينما كان الناقل الوطني لا يزال يقف عاجزاً عن أبسط مقومات المنافسة. الطيار السوري كان يتقاضى سلفاً لا راتباً، والطائرات كانت تكافح للإقلاع بلا أنظمة ملاحة محدثة، وإجراءات الحجز كانت تتم بوسائل تكاد تكون بدائية. لم يكن هذا انفتاحاً محسوباً، بل كان انتحاراً اقتصادياً، كان يمكن تجنبه لو فُرضت فترة حماية انتقالية مؤقتة على غرار ما فعلته دول كثيرة خرجت من نزاعات وعقوبات، تمنح الناقل الوطني خلالها حقوقاً تفضيلية على الخطوط الاستراتيجية، أو تفرض رسوماً على الناقلات الأجنبية تُخصص عوائدها لتحديث الأسطول الوطني.

الخطيئة الثانية:

فهي استمرار العلاقة الملتبسة بين المؤسسة السورية للطيران والهيئة العامة للطيران المدني، وهي علاقة تشكل انتهاكاً صريحاً للمعايير الدولية التي توجب الفصل الكامل بين السلطة التنظيمية الرقابية وبين المشغل التجاري. هذا التداخل لا يقتصر ضرره على فقدان الشفافية وإضعاف الرقابة على السلامة الجوية، بل يتجاوزه إلى خلق بيئة طاردة لأي شريك دولي جاد، لا سيما في مرحلة تحتاج فيها سورية إلى اجتذاب مستثمرين وشركات تأجير طائرات لا يمكنها قانوناً التعامل مع كيان لا يستوفي شروط الحوكمة الرشيدة. واستمرار هذا الوضع بعد التحرير يعني أن الإصلاح المؤسسي الحقيقي لم يكن يوماً على جدول أعمال الإدارة الجديدة.

وفي مقابل هذا الجمود الإصلاحي، جرى الانشغال بالبروتوكولات والمهرجانات الإعلامية لاستقبال أولى الرحلات، بينما ظلت البنية التحتية للملاحة الجوية تعاني من تقادم خطر. أنظمة الرادارات ما تزال ضعيفة الكفاءة إلى درجة تثير القلق، والاعتماد المفرط على العنصر البشري في المراقبة الجوية دون أنظمة دعم آلي متطورة بات يشكل هاجساً حقيقياً للسلامة الجوية. وغياب أنظمة الاقتراب الآلي الحديثة في مطاري دمشق وحلب يُبقي العمليات التشغيلية رهينة للرؤية البصرية، مما يضطرنا إلى تحويل الرحلات في الظروف الجوية السيئة، وما ينجم عن ذلك من أعباء مالية وإرباك للمسافرين وإضرار بالسمعة. إن تطوير المطارات لا يكون باستعراض وصول طائرة أمام الكاميرات، بل بتحديث أنظمة الملاحة والاتصالات والمراقبة، وهو ما لم يحظ بالأولوية التي يستحقها.

وبالتوازي مع هذا كله، أُحبط الغموض المحيط بالعقود الكبرى التي أبرمتها المؤسسة والجهات المرتبطة بها، وعلى رأسها العقد المبرم مع شركة “UCC” المشغلة لمطار دمشق الدولي. تفاصيل هذا العقد بقيت طي الكتمان، وحجم العوائد التي تدخل خزينة الدولة جراءه بقي غير معلوم، في مشهد يتناقض كلياً مع متطلبات الشفافية التي كان يجب أن تكون عنوان المرحلة الجديدة. هذا الغموض، إلى جانب استمرار البيروقراطية المتضخمة والتدخلات الشخصية في إدارة الشركة القابضة السورية للطيران، أكد أن الإصلاح لم يمس جوهر المشكلة بعد، وأن الوجوه تبدلت فيما بقيت العقلية الإدارية على حالها.

المخرج لهذه الأزمة

للخروج من هذا النفق، لا بد من وقفة صريحة مع حالة الأسطول، ليس بلغة الأماني والوعود، بل بلغة الأرقام والحقائق الفنية. المؤسسة السورية للطيران تمتلك على الورق مجموعة من الطائرات، لكن الواقع العملي يختلف جذرياً عن الصورة الورقية.

طائرات الإيرباص من طراز A320، التي تشكل العمود الفقري النظري للأسطول، لا يتجاوز عدد الصالح منها للتشغيل بضعة هياكل، ونسبة جاهزيتها الفنية متدنية إلى حد خطير لا يتعدى أربعين في المئة في أحسن الأحوال. هذه الطائرات تجاوزت منتصف عمرها التصميمي، ولم تخضع لدورات الصيانة الثقيلة الكاملة وفق معايير المصنّع الأوروبي منذ سنوات، وهي تعاني من نقص حاد في المحركات الاحتياطية ومكونات جهاز الهبوط والأنظمة الإلكترونية. أما الطائرة الوحيدة من طراز A340، فهي عبء مالي أكثر منها أصل منتج، طائرة بأربعة محركات في بيئة تشغيلية تعاني من ارتفاع تكاليف الوقود وصعوبة تأمين الصيانة المناسبة، لا يمكن أن تكون مجدية اقتصادياً إلا على خطوط طويلة عالية الكثافة، وهي خطوط لا تملك المؤسسة حالياً حقوق تشغيلها ولا القدرة على خدمتها.

في هذا المشهد القاتم، تبرز طائرتا ATR 72 كورقة رابحة وحيدة تستحق الرهان. هاتان الطائرتان المخصصتان للرحلات الإقليمية القصيرة تمتازان باستهلاك منخفض للوقود، وتكاليف صيانة أقل نسبياً من الطائرات النفاثة الكبيرة، وهما مثاليتان لإعادة بناء الشبكة التشغيلية انطلاقاً من الوجهات القريبة التي لا تتطلب مدى طيران طويلاً. استعادة جاهزيتهما الكاملة، عبر اتفاقيات صيانة مع ورش إقليمية محايدة في دول لا تخضع لضغوط العقوبات الثانوية، يمكن أن تشكل نواة الانطلاق من جديد. أما طائرات الشحن من الطراز السوفيتي، فحالتها الفنية لا تسمح برهان تشغيلي جاد عليها في المدى المنظور.

والسؤال الأهم هو: كيف يمكن توسيع هذا الأسطول في ظل استمرار القيود المالية والقانونية؟ شراء طائرات جديدة من المصنعين الكبار غير وارد حالياً، ليس فقط لأن المؤسسة لا تملك مئات الملايين اللازمة، بل لأن نظام التصنيف الائتماني والتأميني الدولي ما زال يصنف سورية كدولة عالية المخاطر، مما يحول دون إبرام عقود تمويل أو تأجير مباشر بشروط تجارية طبيعية. لكن هذا لا يعني الاستسلام للعجز، بل يعني التفكير بمنطق مختلف. الخيار الأكثر واقعية في المدى القصير والمتوسط هو الدخول في عقود (الإيجار الرطب)، حيث تقوم شركة طيران أخرى بتأمين الطائرة كاملة بطاقمها وصيانتها وتأمينها، وتدفع المؤسسة السورية للطيران مقابل ساعة الطيران الفعلية، واضعة شعارها على الطائرة ومستعيدة حصصها السوقية دون أن تتحمل أعباء امتلاك الأصول وصيانتها. ثمة شركات في دول الجوار الإقليمي يمكن التفاوض معها في هذا الإطار، وهو مسار يتطلب دبلوماسية طيران هادئة وفاعلة.

وبالتوازي مع ذلك، فإن الاستثمار في استعادة الصلاحية الفنية لهيكلين على الأقل من طائرات A320 المتوقفة على الأرض يشكل أولوية متوسطة الأجل. يمكن تحقيق ذلك عبر شراء حق الانتفاع بقطع غيار من السوق الرمادية الموثوقة، أو عبر وسيط إقليمي مقبول دولياً، بهدف الوصول إلى أسطول صغير لكنه موثوق تقنياً وقادر على خدمة خطوط إقليمية متوسطة مثل دبي واسطنبول. أما الأفق الاستراتيجي طويل الأمد، فلا يمكن تصوره دون تأسيس كيان جديد كلياً، شركة طيران سورية مختلطة بين القطاعين العام والخاص، بعلامة تجارية جديدة مستقلة عن إرث المؤسسة الحالية، قادرة على اجتذاب استثمارات المغتربين السوريين ورؤوس الأموال الشفافة، ومؤهلة للدخول في مفاوضات جادة مع مصنعي الطائرات أو شركات التأجير الكبرى فور أن تسمح الظروف السياسية برفع العقوبات عن قطاع الطيران المدني السوري.

إن إعادة إحياء المؤسسة السورية للطيران ليس مشروعاً مستحيلاً، لكنه مشروع يتطلب إرادة سياسية لا تهادن، وجرأة إدارية لا تكتفي بالترقيع، ورؤية استراتيجية تنظر إلى ما وراء الأفق القريب.

المدخل الإجباري لأي إصلاح هو الفصل المؤسسي الكامل بين سلطة الطيران المدني كجهة تنظيمية رقابية محايدة، وبين المؤسسة السورية للطيران كمشغل تجاري يخضع للمنافسة والمساءلة المالية. هذا الفصل ليس ترفاً إدارياً، بل هو شرط أساسي لاستعادة المصداقية أمام المنظمات الدولية وشركات التأمين والتأجير، وهو المدخل الطبيعي لتعيين مجلس إدارة مهني مستقل من كفاءات القطاع الخاص والمغتربين، لا من مكافآت الولاءات والترضيات السياسية. وفي السياق نفسه، لا بد من فتح ملف الشراكة مع شركة “UCC” بشكل كامل وشفاف أمام جهاز رقابي مستقل، مع نشر بنود العقد للرأي العام وإعادة التفاوض عليها أو إلغائها بناءً على نتائج التدقيق، لأن استمرار الغموض لا يخدم إلا الفاسدين.

أما الملف الأكثر إلحاحاً على الإطلاق، فهو ملف الكوادر البشرية الذي بلغ حد الانهيار.

على صعيد السلامة الجوية والبنية التحتية، لا مجال للتأجيل. يجب أن توجه دعوة عاجلة لمنظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) لإجراء تدقيق شامل على السلامة وفق برنامجها المعروف، وتوضع خطة تصحيحية زمنية بدعم فني من دول صديقة. الأولوية القصوى هي تحديث أنظمة الرادار في دمشق وحلب لتشمل النظام الثانوي من النمط المتطور، وتزويد المطارين الرئيسيين بأنظمة هبوط آلي دقيقة من الفئة الثانية كحد أدنى، لضمان استمرار العمليات في مختلف الظروف الجوية ووضع حد لمشهد تحويل الرحلات المذل.

وعلى الصعيد التجاري، لا غنى عن فرض سياسة حماية استراتيجية مؤقتة للسوق، عبر تقييد حقوق النقل للشركات الأجنبية لمدة عامين، بحيث تمنح حقوق الهبوط فقط للشركات التي تدخل في اتفاقيات مشاركة بالرمز مع الناقل الوطني، أو التي تساهم برسوم مالية مخصصة لصندوق تطوير الطيران السوري. هذه الحماية المؤقتة، إلى جانب بناء منصة حجز إلكترونية حديثة والانضمام إلى أحد أنظمة التوزيع العالمية، كفيلة بمنح المؤسسة فرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة بناء قدراتها قبل الاضطرار إلى مواجهة المنافسة الكاملة.

ويبقى الحل المالي هو حجر الزاوية الذي تقوم عليه كل هذه الإصلاحات. لا بد من قرار سيادي بتصفية ديون المؤسسة المعدومة المتراكمة في دفاتر البنوك الحكومية، وتأسيس صندوق استثماري مستقل لتحديث الأسطول يموّل من مصدرين أساسيين: منحة سيادية طارئة من خزينة الدولة لإدراكها أن إنقاذ الناقل الوطني مسألة أمن قومي وليس ترفاً، وعوائد رسوم عبور الأجواء السورية التي يجب أن توجه إلى قطاع الطيران بدل أن تضيع في الموازنة العامة.

يبدو أن المهلة الزمنية المتاحة لإنقاذ المؤسسة السورية للطيران آخذة في التضيق، مع استمرار التأخير في اتخاذ القرارات الجوهرية، ما يدفع الملف تدريجياً نحو دائرة الاستحالة، حيث يتحول الحديث عن إعادة الإحياء إلى حديث تاريخي لا خيار استراتيجي.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني